جديد المقتطف

Post Top Ad

الخميس، 7 أغسطس 2014

السمات الحضارية لفترة حكم الفرس لمصر

بقلم: د. براءة معروف صقور
مدرس التاريخ القديم بكلية الآداب – جامعة تشرين – سوريا
لوحة "جد حر بس" من سقارة تمثل مناظر تحنيط الوالي الفارسي
على النسق المصري - محفوظة بالمتحف المصري تحت رقم
JE. 98807, DYN. 27, SAQQARA
هناك سمات متعددة في مجالات كثيرة، فلم يكن هذا العصر عصر ظلام كامل كما يعتقد البعض، ولكن توجد به بعض السمات الحضارية التي لا يمكن تجاهلها، في الفنون وطرق الدفن واللغة ونظم الري والزراعة والإدارة.
لقد سادت مصر منذ بداية العصر الصاوي حتى الفتح المقدوني  تقلبات سياسية وعسكرية واقتصادية, على الرغم من أنه من غير الممكن إنكار القوة والمهارة التي قابل بها المصريون هذه التحديات, وعلى أية حال, وعندما نعود إلى الظواهر الثقافية (الحضارية), تظهر صورة مختلفة جداً, إذ كانت الفنون المرئية هي فنون نمطية, ومن ناحية, وبينما تبدي استمرارية التقاليد الفنية في الدولة القديمة, الحديثة والوسطى, وأيضاً فترة العصر الكوشي, فإنها لا تبدي أي شيء غير الفوضى, ومن ناحية أخرى, فإن التأكيد على استمرارية التقاليد الأقدم قد امتزجت بوجود ابتكار كبير وأصلي في المواد ومشاهد التصوير وإنتاج المنحوتات، التي أخذت الطابع المصري[1].
وبالنسبة لبعض المجالات في النشاط الثقافي, فأحياناً ما توجد فجوة في المادة الممتدة, على سبيل المثال لا توجد نصوص مؤرخة بصورة مضمونة تعود إلى هذه الفترة, وفوق كل هذا, فإن التحليل الدقيق لهذا الدليل الذي بين أيدينا يؤكد أن المجتمع المصري والحضارة المصرية ككل, قد تميزت بنفس سمات الفنون المرئية, كما نواجه بصورة تقليدية تلك السمات التي اعتاد عليها دارس الفترات المبكرة بصورة كاملة, إذ استمرت البيئات الشعائرية لتكشف الأهمية الكبيرة للروابط والعلاقات الأسرية في هذا العصر, والتي أحياناً ما اتخذت صور معينة, إذ إن مقبرة الوزير "باكن رنف" في "سقارة"، والتي تعود إلى عصر "بسماتيك" الأول, قد استخدمت في دفن أفراد من الأسرة بعد عصر "بسماتيك" بثلاثمائة سنة.
كما احتوت مقبرة "بيتوزيرس" في "تونا الجبل" على دفنات لخمس أجيال من أسرته، استمرت من عصر الأسرة الثلاثين حتى العصر البطلمي, وليس هناك نقوش شعائرية مصورة على نفس القسم, كما أن نقش "خنوم إيب رع" في وادي الحمامات يوضح الروابط الأسرية في الأسرة السابعة والعشرين, وكان يهدف إلى تسجيل شجرة نسبها لمدة أكثر من 12 جيل, لفترة ترجع لعصر الأسرة التاسعة عشرة.
وهناك سمة متميزة أيضاً، فالأسر المصرية صاحبة الوظائف العليا استمرت في تولي مهام وظائفها طيلة الحكم الفارسي، فأسرة "بيتوزيرس" قد شغلت وظيفة الكاهن الأكبر للمعبود "تحوت" في "هرموبوليس" مدة أكثر من خمسة أجيال, في حين أن أسلاف "خنوم إيب رع" قد تولوا وظائف الوزير ورئيس الأشغال لعدة قرون.
وأصبح مع الوقت الموالين للحكم الفارسي أقوى من ذي قبل, إذ إن "وجا حر رسنت" قد أصر منذ بداية الأسرة السابعة والعشرين على الخدمة الخالصة لمسقط رأسه, بينما نجد نقش "سوم توت إف نخت" من القرن الرابع ق.م والموجود في معبد "هرسبيس"Harsaphes في مسقط رأسه مدينة "هرقليوبوليس" Heraklepolis .
إن مثل هذه الخدمة قد تم تحويلها إلى تكريس للمعبودات المحلية، ونجد له ما يماثله في العصور السابقة, وإن كان انتشار هذا العمل في العصر المتأخر كان مميزاً جداً, وبلا شك, فإن هذا العمل كان ناشئاً من الانقسام السياسي, والذي أصاب البلاد بعد انهيار الدولة الحديثة, وسياسة الملاطفة في هذا الموقف كانت هي الاتجاه المميز للاهتمام الرئيسي للتكريس الشخصي الذي يقوم به الحاكم أو وجيه من الوجهاء لمدينة المعبود الأساسي, الذي يكتسب السيادة والسيطرة في مجمع الآلهة العظام[2].
وفي المقابل فإن هذه الظاهرة قد أحدثت شعوراً قوياً بتعرض الوجود المقدس للخطر, والذي ربما يمثل العامل الرئيسي في تطور عبادة الحيوانات, والتي هي أحد السمات الدينية المميزة للعصر المتأخر, وتكشف نقوش السيرة الذاتية أن العوامل المؤدية إلى النجاح في الحياة قد تم فهمها من حيث الشروط التقليدية, وأعني به الولاء, والذي كان يعتبر مطلباً مسبقاً للنجاح, كما كان يعتبر ضرورياً لحياة الشخص على أساس ماعت (الحق والعدل), نظام الكون سواء المادي أو الروحي, والذي أتى إلى الوجود مع خلق العالم, وهو محدود, وربما يكون من غير الممكن تحديده. وقد وصفت الحياة وفقاً لماعت في مقبرة "بيتوزيرس" بأنها طريق الحياة, ودائماً ما ذكر بأنها التأثير المقدس الواقع في قلب الفرد, والذي هو واقع على وجوده الأخلاقي, ومرة أخرى فإن هذا المفهوم له ما يماثله في العصور السابقة وهو المفهوم القديم "المعبود الذي داخلك"، ولكنه تطور أكثر منهجية خلال نصوص العصر المتأخر. كما أن مبادئ العبادة الشعائرية بقيت كما هي خلال العصر المتأخر, وإن كانت أقل تطوراً وتعقيدا.

وكشفت نقوش السير الذاتية عن تحول آخر من خلال تضييق الفجوة بين الملك المصري ورعاياه في العصر المتأخر, حيث كان بمقدور الأفراد من غير الأسرة المالكة استخدام الموضوعات الجنائزية الملكية القديمة، وتوضح مقبرة "بيتوزيرس" هذه الظاهرة في ادعاء صاحب المقبرة بأنه أدى شعائر التأسيس الملكية بأداء شعيرة شد الحبل[3].
أما عن التنظيمات الفارسية الإدارية، فقد تطلبت مجهوداً كبيراً أكثر من محاولات أي حاكم آخر من قبل, وقد بدأ "قورش" بعمل بعض التنظيمات الإدارية التي يستطيع بها إدارة الولايات بشكل محكم, واستمر ذلك في عصر "دارا" الأول [521 - 485 ق.م], والذي قد بقي تنظيمه واحداً من أبرز الإنجازات في تاريخ الشرق القديم, إذا لم يكن في العالم كله. وكان "دارا" الأول عادلا ذكياً, وإن كان رعاياه لم يكن لهم بالتأكيد صوت في الحكومة, وكانت المراسيم التي يصدرها الملك العظيم بمثابة قانون, وينحني كل الناس لكلامه, ويذكر نقش "بيستون":
"بإرادة أهورامزدا أصبحت البلاد خاضعة لي, تحضر لي جزية, كل شخص كان وفياً لأوامري التي أرسيتها ليلاً أو نهاراً. كل شخص داخل هذه الأراضي يكون صديقاً لي سوف أحميه, كل شخص معادي لي سوف أدمره, بإرادة أهورامزدا هذه الأراضي تضع قراراتي, وكذلك تمر بواسطتي. أهورامزدا منحني هذه الإمبراطورية"[4].
ويلاحظ "شو" أن هذا النظام لم يكن فقط محاولة عمل حكومي على نطاق واسع, ولكنها كانت حكومة يسيطر عليها رجل واحد, ولم يرغب "دارا" الأول في المزيد من الفتوحات, ولكنه خطط للحفاظ على الإمبراطورية كما ورثها, إذ جعل من نفسه ملك في مصر وبابل, وأما بقية الإمبراطورية فقد تم تقسيمها إلى 20 مقاطعة, يطلق على كل واحدة مسمى "مرزبانية" يحكم كل ولاية حاكم أطلق عليه (مرزبان) يعنيه الملك الفارسي كحاكم[5]، وكانت هذه الترتيبات مماثلة لتلك الترتيبات الموجودة في "بابل" و"أشور" و"مصر", إلا أنها تميزت بتطور زائد.
وفي الواقع فإن الإمبراطورية الفارسية كانت أول مثال لمجموعة من الشعوب والأمم التابعة المنظمة بصورة كاملة, والتي يتم حكمها باعتبارها مقاطعات, وهو الترتيب الذي يمكن أن نطلق عليه النظام المحلي أو الإقليمي, وتمتعت الأمم والمقاطعات التابعة للحكم الفارسي باستقلالها في الموضوعات المحلية لحكوماتها, طالما أنها تدفع الجزية بصورة منتظمة وتقدم الإمدادات والقوات للجيش الفارسي[6].
ولاكتشاف ومنع حدوث التمرد المحلي (ثورة الحاكم أو الشعب ضد الحكومة الفارسية), فإن الملك العظيم احتفظ بوجود موظفين تابعين له في تلك الولايات, والذين كان يطلق عليهم - نقلا عن العادة المصرية القديمة- مسمى "آذان الملك" أو "أعين الملك", وكانت مهمتهم هي الإبلاغ عن أي تمرد, وكان هذا أمراً متقدماً عن حكم الإمبراطورية الفارسية.
وتم تأمين السلطة الملكية بصورة إضافية بواسطة الوكلاء الجوالون الذين كانوا يمثلون أعين وآذان الملك, وربما اسم ووظيفة هؤلاء الجوالين قد اقتبسها "دارا" الأول من مصر[7].
أما الأراضي الزراعية, فقد تم تقسيمها إلى مساحات واسعة يسيطر عليها نبلاء أقوياء, وغيرهم من الملاك العظام لهذه الأراضي, وكان هناك عدد قليل من صغار ملاك الأراضي الزراعية, وكل الرسوم التي يتم دفعها تشكل الجزية التي يتم تحصيلها من كل أجزاء الإمبراطورية وفي الشرق, فقد كان يتم دفعها عيناً من الإنتاج.
وقد أصبح شائعاً بحلول عام 600 ق.م, دفع الجزية بالنقود التي تم ضربها. وعلى أية حال، فقد بدأ "دارا" الأول في ضرب عملات من الذهب، وسمح لحكامه التابعين بضرب عملات من الفضة, وهكذا, فإن الوسيلة التجارية العظيمة لضرب العملات التي أصدرتها الدولة قد بدأت في الظهور في الشرق خلال العصر الفارسي، من أجل دفع الجزية من كل مرزبانية للخزانة الملكية الفارسية.
وقلد "دارا" الأول اليونانيين والليديين في ضرب النقود على معيار ثابت, وهو الذهب الداريوسي الذي حمل اسمه, والذي كان واحداً من أنقى العملات الذهبية التي تم ضربها، وكان هذا الابتكار في حد ذاته رابطة قوية في الإمبراطورية الفارسية, عندما استخدم العالم الشرقي كله نفس العملة الذهبية.
وأحيانا تقتضي الظروف أن يخوض الملك وقواته حروباً من أجل إضفاء الهيبة والاحترام على سلطتهم, ولم يكن هذا ضرورياً بالنسبة لبلاد فارس, إذ إن النظام الفارسي قد تطور بعيدًا عن النظام الآشوري, إذ إن الطريقة الآشورية قد اقتبسها "قورش", وكان المرزبانات الأوائل خلفاء الحكام الآشوريين الأوائل, وإن كانت المسافة الكبيرة عن مركز بعض الحكام ما جعل الثورة أكثر احتمالا عما كانت عليه الأمور في العصر الآشوري[8].
وفي "السويس" عمل "دارا" الأول على إعادة القناة المصرية القديمة التي كانت تربط النيل بالبحر الأحمر, وأقام "دارا" بطول الطريق القديم مجموعة من اللوحات الحجرية العظيمة, وتحكي هذه اللوحات قصة إصلاح القناة[9].
كذلك لم يعتبر الحكام الإخمينيون أنفسهم بمثابة الآلهة, أو حتى أبناء الآلهة مثل الملوك المصريين، وكانت الديانة الفارسية تحظر على حكام الفرس أن يكونوا هكذا، وإن كانت شخصية الملك, قد أحيطت بها هالة من الاحترام والتقديس.
أما عن أسلوب البناء والعمارة الذي اتبعه الفرس، فقد تم بناء المقابر والقصور بأسلوب انتقائي مؤلف من عناصر متعددة، ميزت الفن الإيراني في عصر الإخمينيين, وتم اقتباس السمات المعمارية الأساسية من الدول التي كانت تابعة لفارس, أو الدول المجاورة للإمبراطورية مثل مصر وبابل واليونان, وإن كانت هذه العناصر المختلفة قد تم مزجها معاً وتطويرها بمثل هذه الطريقة لتشكيل مبنى ثري ومتجانس[10].
ويبدو أن الواحات المصرية قد مثلت محل اهتمام الحاكم الفارسي, وربما يكون سبب ذلك هو تشابه ظروف الواحات الطبيعية مع ظروف الأجزاء الشرقية من بلاده, وتم إدخال طريقة الري الفارسية إلى الواحات باستخدام القنوات التحتية، وسادت الوديان الصحراوية التي قامت بتجميع المياه من الفوالق في طبقات الحجر الرملي، وبلا شك, فإدخال هذه الطريقة على الواحات كان على يد مهندس فارسي[11].
====================
هوامش الدراسة:
[1] Shaw, I. (Editor), The Oxford History of Ancient Egypt, Oxford Univ. Press, Oxford 2000, P. 390.
[2]     عن الدين والأسطورة في العصر الفارسي، انظر:
Lindsy, A.The Persian Empire, Univ. of Chicago Press, Chicago 2005, P. 160 – 180; Shaw, I. (Editor), The Oxford History, P. 391.
  [3] Ibid., P. 392.
[4] نقش بيستون، عامود 1، سطر (18 – 26)، ملحق 6، ص 229، 230.
[5] هناك ما يدل على أن موظفي الفرس الكبار في مصر كانوا يعاملون كنبلاء مصريين، فهناك لوحة اكتشفتها بعثة متحف اسكتلندا الوطني في سقارة، في عهد رئاسة الأستاذ الدكتور/ عبد الحليم نور الدين للمجلس الأعلى للآثار، وتخص موظف يدعى "جد حر بس" Dd Hr bs ومن الواضح أن هذا الموظف كان صاحب مقام رفيع عند الملك الفارسي، فطريقة تجهيزه تثبت تماما ما كان يتمتع به الموظفون الفرس بكافة حقوق النبلاء المصريين من حيث عادات التحنيط والدفن؛ أيضاً هناك لوحة متحف برلين التي اكتشفت في مقبرة الـ "ستراب" الفارسي في سقارة، وهي تصور عويل النائحات على المرزبان الفارسي في مصر حسب التقليد المصري القديم؛ للاستزادة: راجع: لوحة "جد حر بس"، شكل رقم 25، ص 302؛ أيضاً:
Mathieson, I.; Bettles, E.; Davies, S.; Smith, H.S, "A Stela of the Persian Period from Saqqara", JEA, Vol. 81, (1995), Pp. 23 – 41;
وعن لوحة الستراب، انظر: باسم سمير الشرقاوي، منف مدينة الأرباب في مصر القديمة، ج1، القاهرة 2007، شكل 83/أ، ص 341.
    [6] Shaw, I.The Oxford History, P. 185.
[7] Hall, H. R.The Ancient History of the Near East, London 1960, P. 579.
[8] Ibid, Pp. 577, 578.
[9] راجع عن قناة البحر الأحمر/ نهر النيل، ما كتبناه في رسالة الدكتوراة التي تقدمنا بها إلى كلية الآداب جامعة عين شمس بعنوان "العلاقات السياسية الخارجية لملوك مصر من الأسرة السابعة والعشرين وحتى الأسرة الثلاثين - دراسة تاريخية"، الفصل الثاني، ص27، 37؛ وانظر أيضا:
Breasted, J.H.Ancient Times History of the Early World, London (W.D), P. 188; Wiesehofer, J.Ancient Persia, P. 8.
[10] Maspero, G.History of Egypt Chaldea, Syria, Babylonia, and Assyria, Vol. IX, London (W.D), P. 269.

[11] Hall, H.R.The Ancient History, P. 572.
نشرت في:  المقتطف | السنة الأولى | العدد الأول | أبريل 2009 ميلادية -1430 هجرية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق