جديد المقتطف

Post Top Ad

الأحد، 8 مارس 2015

شريعة النذر في العهد القديم

بقلم: مي سعيد عبد المنصف
باحثة في الديانة اليهودية وتاريخ الشرق القديم
ذكر موضوع النذر للرب كثيراً في العهد القديم، وعلى الأخص في سفر المزامير. ولم يكن النذر أمر تلزمه الشريعة اليهودية، أي أنه ليس قانون تشريعي في العهد القديم، بل هو أمر يعتبر تطوعي من الشخص نفسه بدون أي قانون أو نص في الشريعة أو حتى طلب من الله. فكلمة "نذير" في اللغة العربية مأخوذة من الفعل العبري (נדר) بمعنى "تكريس" أو "تخصُّص".
وللنذر تعريفات اصطلاحية عديدة اختلفت في اللفظ إلا أنها متفقة في المعنى نورد بعضاً منها:
يقول الالوسي: هو عقد القلب على شيء والتزامه على وجه مخصوص قيل واصله الخوف لان الشخص يعقد ذلك على نفسه خوفا من  التقصير أو خوفا من وقوع أمر خطير عنده.
وقال القرطبي: هو ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه.
 وأما ابن جرير فكان رأيه: هو ما أوجبه المرء على نفسه تبرراً في طاعة الله وتقرباً إليه من صدقة أو عمل خير وقد يكون مطلقاً أو معلقاً.
 وحث العهد القديم المرء على ضرورة الوفاء بالنذر، وعدم تأخيره، وعدم تغييره، فذكر في سفر الجامعة (5/ 4: 5) "إذا نذرت نذرًا لله، فلا تتأخر عن الوفاء به، أوف بما نذرته، أن لا تنذر خير من أن تنذر ولا تفي".
وذكر ايضا في سفر العدد (30/2:1) "وكلَّم موسى رؤوس أسباط بني إسرائيل قائلاً: هذا ما أمر به الرب. إذا نذر رجلٌ نذراً للرب أو أقسم قَسَماً أن يُلْزِم نفسه بلازِم فلا يَنْقُض كلامه، حسب كل ما خرج من فمه يفعل".
ورغم أن النذر اختياري، إلاَّ أنه يلزم الوفاء به إذا نطق به رجل كامل السن، وذلك وفقا ما ورد  في العهد القديم "حسب كل ما خرج من فمه يفعل".
وسبب تقديم النذر كما هو واضح في العهد القديم  تعهدات الناذرين بوفاء نذورهم، وذلك كاعتراف بفضل الله عليهم وتقديمهم مشاعر شكرهم وتمجيدهم للرب الذي أحسن إليهم بدون أي استحقاق لهم بل هو فضل الله عليهم ورحمته، وهم يقدمون الشكر والحمد عملياً بالنذر ويتضح ذلك في سفر المزامير(56/12:13) "اللهم عليَّ نذورك، أُوفي ذبائح شكر لك، لأنك نجيت نفسي من الموت. نعم، ورجلَيَّ من الزَّلق" وايضا في سفر المزامير(61/8) "هكذا أُرنم لاسمك إلى الأبد لوفاء نذوري يوماً فيوماً".
والنذر حاله كحال بقية أبواب الشريعة اليهودية فله شروط يجب أن تكون متوفرة فيه لكي يكون النذر صحيحا ومقبولاً وأهمها:
أولاً: يجب أن يكون  الناذر إنسانًا ناضجًا حرًا في غير وصاية أحد، فإن كان الناذر عبدًا يتحرر من النذر إن سمع سيده بالنذر واعترض حال سماعه، وأيضًا إن كان الناذر زوجة فلا تلتزم بالنذر إن اعترض زوجها عند سماعه بالنذور وهكذا الفتاة التي في بيت أبيها، ويتضح ذلك في سفر العدد (عدد 30: 6-8، 10-15)  حيث يوضِّح العهد القديم أن الابنة في بيت أبيها، وكذلك المرأة في بيت زوجها، ليست حُرَّة في نذر شيء بدون موافقة الأب أو الزوج فربما كان الأب أو الزوج غير قادر على الوفاء بنذر الابنة أو الزوجة لقصر ذات اليد.   
كما يرى بعض علماء اليهود أن ما كان ينطبق على الابنة ينطبق أيضاً على الابن إذا كان قاصراً وما زال في عصمة أبيه.
وأما نذر أرملة أو مُطلَّقة فكل ما ألزمتْ نفسها به يثبت عليها  ذلك لأن الأرملة أو المطلَّقة ليست تحت سلطة أب أو زوج، بل هي المسئولة عن نفسها. فكل ما تُلزِم نفسها به يثبت عليها ويتحتَّم وفاؤه. (عدد 30: 9)
 ثانيًا:  يجب أن يكون موضوع النذر مقدسًا وليس نجسًا، وإلاَّ دُفع عنه فدية، فلا يجوز تقديم حيوانات نجسة مثلاً في بيت الرب، ولا يجوز أيضًا تقديم النذر من ثمن خطية كأن تفي سيدة نذرها أجرة زناها.
وتنقسم النذور إلى نوعين رئيسيين:
أولاً: إما أن يكون النذر عهداً يتعهَّد به الإنسان ووعداً بإيفائه أمام الله، مثل ما فعل يعقوب عندما رأى في الحلم السلَّم الصاعد إلى السماء وملائكة الله صاعدة ونازلة عليه، "ونذر يعقوب نذراً قائلاً: إن كان الله معي وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سائر فيه وأعطاني خبزاً لآكل وثياباً لألبس، ورجعت بسلام إلى بيت أبي، يكون الرب لي إلهاً، وهذا الحجر الذي أقمته عموداً يكون بيت الله، وكل ما تعطيني فإني أُعشِّره لك" (تكوين 28/ 20:22، 31: 13). وكذلك حنَّة امرأة ألقانة التي نذرت نذراً "وقالت: يا رب الجنود إن نظرتَ نظراً إلى مذلَّة أَمَتك وذكرتني ولم تنسَ أَمَتك، بل أعطيت أَمَتك زرع بشر، فإني أُعطيه للرب كل أيام حياته ولا يعلو رأسه موسى" (صموئيل الأول 1/ 11)، وقد نفَّذت وعدها وأعطت صموئيل ابنها للرب. وقد نذر أيضاً يفتاح نذراً للرب قائلاً: "إن دفعتَ بني عمون ليدي، فالخارج الذي يخرج من أبواب بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة من عند بني عمون، يكون للرب وأصعده محرقة" (قضاة 11/ 30:31).
ب. وإما أن يكون النذر قَسَماً وارتباطاً أو التزاماً أمام الله بالامتناع عن شيء، مثل الامتناع عن أطعمة معيَّنة وعن شُرب الخمر (كنوع من الصوم)، انظر (قضاة 13: 4-7)  "وَالآنَ فَاحْذَرِي وَلاَ تَشْرَبِي خَمْرًا وَلاَ مُسْكِرًا، وَلاَ تَأْكُلِي شَيْئًا نَجِسًا. فَهَا إِنَّكِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا، وَلاَ يَعْلُ مُوسَى رَأْسَهُ، لأَنَّ الصَّبِيَّ يَكُونُ نَذِيرًا للهِ مِنَ الْبَطْنِ، وَهُوَ يَبْدَأُ يُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ".

المراجع والمصادر:
1/العهد القديم، الطبعة الرابعة، القاهرة،2009.
2/الأمام (سامى):موسوعة الفكر العقدي اليهودي، كلية اللغات والترجمة، جامعة الازهر، القاهرة.
3/  אנצקלופדיה העברית، כרך עשרים וחמישה، חברה להוצאת אנצקלופדיות בע''מ، ירושלים، תל אביב، תשל''ד.
4/ Encyclopaedia Judaica,  Volume16, first printing,1972.