جديد المقتطف

Post Top Ad

الجمعة، 11 سبتمبر 2015

المشاركة المجتمعية للمرأة المصرية (1947 - 1957)

بقلم: نسمة سيف الإسلام
باحثة دكتوراه - جامعة القاهرة
تمتد جذور العمل التطوعى في مصر إلي عمق التاريخ، إذ أن الطبيعة الزراعية للمجتمع المصرى جعلت من نظام التآزر ومساعدة الناس بعضهم لبعض جزء لا ينفصل من حياتهم العادية خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية والكوارث، تعد الجمعيات الأهلية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين بمثابة بوتقة للعمل الاجتماعي، والواسطة التي ربطت بين الجهود الحكومية والمساهمات الشعبية لمواجهة مختلف المشاكل الاجتماعية، وكان لا يمكن  مواجهتها إلا بحملات مشتركة بين السلطات الحكومية ومشاركة الجمعيات الأهلية بصورها المختلفة من النقابات والجمعيات المهنية فهي تشكل ما يمكن أن يطلق عليه منظومة النشاط الأهلي وهو التعبير الذي جري استخدامة لوصف النشاط التطوعي المنظم الذي يسعي لتحقيق مصلحة جماعة معينة لها نفس الاهتمامات والأهداف واتفقت علي تحقيق أهدافها بوسائل محددة ؛ لذلك نجد أن الجماعات التي نشطت في مجال الخدمة العامة أو العمل الاجتماعي أو الخيري يطلق عليها "الجمعيات الأهلية". 

يختلف المؤرخون والمراقبون للعمل والمؤسسات التطوعية في مصر حول تحقيب العمل التطوعى بصفة عامة والذى يشتمل النشاط التطوعى والاجتماعى للمرأة المصرية وتعتمد هذه الدراسة التحقيب التالى:
- مرحلة النشأة: القرن التاسع عشر.
- مرحلة التهيئة للإنطلاق: 1900-1923.
- مرحلة الإنطلاق: 1923-1947 (مرحلة أوج النشاط الاجتماعى للسيدة هدى شعراوى).
- مرحلة التحول فى النشاط الاجتماعى بعد وفاة السيدة هدي شعراوى: 1947-1957.
ويقوم هذا التحقيب الزمنى على اساس أن العمل الاجتماعى فى مصر اخذ صورة منظمة بعد قيام السيدة هدى شعراوى بتأسيس الاتحاد النسائى المصرى عام 1923 واستمرت من هذه الفترة بالقيام بالعديد من الأنشطة الاجتماعية كانت المحفزه لانتشار العمل الاجتماعى الخيرى بصورة منظمة على نطاق واسع وبعد وفاة السيدة هدي شعراوى عام 1947 وتولى السيدة سيزا النبراوى رئاسة الاتحاد شهد العمل الاجتماعى شكل اكثر تنوعًا واندماجًا في القضايا المجتمع بصفة عامة ويأتى عام 1957 ليشهد تتويجًا لجهود المرأة المصرية فى العمل العام بدخول السيدة أمينة شكرى والآنسة راوية عطية  إلى البرلمان لأول مرة في تاريخ مصر وهذا ما ستتناوله الدراسة.
وتعود نشأة الجمعيات الأهلية في مصر إلي عام 1821 حيث تأسست الجمعية اليونانية بالإسكندرية لتضم أكبر الجاليات الأجنبية التي عاشت في مصر في ذلك الوقت، وقد تنوعت المساهمات الني قدمتها الجمعات الأهلية النسائية في مختلف نواحي المجتمع، فقد كانت هذه الجمعيات بمثابة تعبيرا عن مشاركة المرأة في مواجهة المشاكل التي واجهت المجتمع المصري في تلك الفترة فنجد أن السيدة "زينب أنيس" قد أسست جمعية الشفقة بالأطفال عام 1908 وفي عام 1914 تأسست  جمعية " الإتحاد النسائي التهذيبي" وكانت من بين أعضائها السيدة ملك حفني ناصف (باحثة البادية) لنشر الوعي الثقافي وشهد عام 1919 تأسيس جمعية المرأة الجديدة بمشاركة عدد كبير من السيدات وفي 16 مارس 1923 تم تأسيس "الإتحاد النسائي" الذي يُعد أول تنظيم نسائي مستقل بزعامة السيدة هدي شعراوي  وأسسته عدد من عضوات اللجنة المركزية للنساء الوفديات واجتمعت المنظمة للمرة الأولي في منزل السيدة هدي شعراوي في 16 مارس 1923 وعقب تأسيسه بأيام قليلة أرسلت السيدة شعراوي في المذكرة التي أرسلتها لرئيس الحكومة لشرح أبعاد نشاط الإتحاد مخطط لتطوير أحوال التعليم بصفة عامة ومن بينها تعليم المرأة وعندما لم يرسل رئيس الحكومة أي رد للسيدة هدي شعراوي لمدة خمسة أشهر قام الإتحاد النسائي بإرسال رسالة أخري إلى رئيس الحكومة يحمله فيها مسئولية إهمال العملية التعليمية ، وشهدت  مجلة المصرية الناطقة بلسان الإتحاد النسائي الإحتجاج علي السياسة البريطانية في السودان وانتقدت الأراء التي كانت تدعو إلي فصل السودان عن مصر، وامتد النشاط النسائي ليمتد إلي العمل العام ففي عام 1943 كونت مجموعة من المحاميات إتحاد المحاميات المصريات وفي عام 1946 شاركت رابطة العاملات المصريات في تكوين اللجنة الوطنية للعمال و الطلبة بالاشتراك مع نقابات وجمعيات أخري وكانت بمثابة أول منظمة للنساء العاملات في مصر وقادتها حكمت الغزالي وهي عاملة نسيج من شبرا الخيمة.
أما عن جهود المرأة لدخول البرلمان فنجد إنها كانت متواصلة ولم تتوقف  واستمرت محاولات المطالبة بضرورة منح المرأة المصرية حقوقها  السياسية كلما اثيرت قضية الإنتخابات وفي كل مرة كان مصير هذه المحاولات الفشل الذريع ومن هذه المحاولات علي سبيل المثال تلك التي قام بها علي ماهر سنة 1938، حينما اقترح دخول المرأة كعضو في  مجلس الشيوخ إلا أن هذا الإقتراح قوبل بالرفض.

المشاركة المجتمعية للحركة النسائية عقب ثورة 1952:
وخلال مطلع حقبة الخمسينات التي كانت أهم مميزاتها التلاحم الوطني من أجل الاستقلال كان من المؤكد أن يكون للإتحاد النسائي – الذي تولت رئاسته بعد وفاة السيدة هدي شعراوي السيدة سيزا النبراوي – دورًا فعالاً في المشاركة المجتمعية، فعندما أعلنت مصر في 8 أكتوبر 1951 قطع مفاوضات الإستقلال مع إنجلترا وإلغاء معاهدة عام 1936 بث ذلك في جموع الشعب المصري وأهالي مدن القناه خاصة روح الثورة و المقاومة فبدأت على الفور أعمال المقاومة السلبية وبلغ عدد العمال الذين تركوا العمل بالمعسكرات البريطانية منذ إلغاء المعاهدة في 8 أكتوبر وحتى الأول من نوفمبر في السويس تسعة آلاف عامل وهو أكبر عدد في كل مدن القناة، وأعقب دخول العديد من العناصر الشابه إلي الإتحاد النسائي تم تشكيل لجنة الشابات التي أطلق عليها فيما بعد لجنة المقاومة  نظراً للدور الذي قامت به في حركة الكفاح ضد الإحتلال البريطاني في منطقة القناة فنجد أنه شارك عدد كبير من النساء العاملات والممرضات في تكوين (اللجنة النسائية للمقاومة الشعبية) برئاسة السيدة سيزا النبراوي وذهبوا إلي قناة السويس واشتركوا في المعرك سواء بتضميد الجرحي أو القيام بالإسعافات الأولية وفي هذه المعارك سقطت برصاص الاحتلال البريطاني السيدة (أم صابر) برصاص الاحتلال البريطاني، و بالإضافة إلي ذلك خروج آلاف السيدات في مظاهرة كبري في 14 نوفمبر1951 في ذكري يوم الشهداء ان علي حد وصف جريدة الأهرام "وكأن مصر جندت نسائها ودفعتهن الوطنية فتقدمن الصفوف في أروع مظاهرة قومية شهدتها البلاد".
وعندما قامت الثورة المصرية عام  1952 انتقل النظام السياسي المصري إلي مرحلة جديدة شهدت شهدت فيه النظام السياسي الواحد وتوجه السياسات الاجتماعية والاقتصادية نحو الاشتراكية و هيمنة الدولة كافة القطاعات الاجتماعية والاقتصادية. وفي هذا السياق تم حل الأحزاب السياسية في 16 يناير 1953، وتصفية المنظمات الأهلية و من ضمنها المنظمات الأهلية النسائية و الحقت بالإتحاد القومي ثم الإتحاد الإشتراكي حتي أن النشاط الخدمي والخيري تم وضعه تحت الإشراف الحكومي المباشر بموجب القانون رقم 384  لعام 1956 ومع ذلك لم يكن النظام معاديًا لدخول النساء إلي المحيط العام أو إعطائهن حق المشاركة في السياسة في الحدود التي سمح بها القانون ولكن أدي دمج  المنظمات الأهلية داخل مؤسسات الدولة بصفة عامة إلي فقدان إستقلالها في تقرير جدول أعمالها فصارت جزءًا من أعمال الدولة.
وفي أعقاب الثورة المصرية في 23 يوليو 1952  كانت السيدة سهير القلماوي نموذج المرأة المشارك لتحقيق التقدم للمجتمع، حيث قامت بدور قومي وسياسي مشرف للمرأة المصرية، فقد تم اختيارها مستشارًا للمنظمات النسائية في مصر وأنشأت ورأست اتحاد خريجات الجامعة المصرية عام 1953 وتم إنتخابها عضوًا بمجلس الأمة عام 1959 وكانت أول امرأة تتولي رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1969.
وبالإضافة إلي ذلك زادت نسبة تولي السيدات المصريات الوظائف العامة فقد نص دستور 1956 علي أحقية المرأة في دخول مجلس الأمة وتقدمت العديد من النساء مرشحات و ناخبات لأول مرة في مصر في الإنتخابات التي جرت عام 1957 وفازت السيدة أمينة شكرى والآنسة راوية عطية.
ومما سبق نجد أن النشاط الاجتماعى للمرأة المصرية لم يتوقف وجاءت مرحلة ما بعد ثورة 1953 لتشهد تطورًا أكثر وإسهامًا في مختلف القضايا المجتمعية فنجد فى عام 1962 تولي وزيرة من النساء، فقد تولت السيدة حكمت أبو زيد وزارة الشئون الاجتماعية عام 1962وفي عام 1963 شغلت إحدي العاملات الزراعيات مركزًا قياديًا فقد تم انتخاب السيدة (أم عبد الباقي) سكرتيرة للجنة النقابية في قرية غنيم مركز شربين.
ومع تحقيق المرأة لقدر من التعليم ووجود خريجات جامعيات بدأت المرأة تمارس أنواعًا من الكتابة القصصية والروائية كانت لها أهمية كبيرة في الحركة الأدبية في المجتمع المصري في تلك الفترة ومن أمثال الكاتبات في تلك الفترة (سهير القلماوي ولطيفة الزيات وهدي جاد).
ولم تقتصر مشاركة المرأه في قضايا المجتمع عند هذا الحد ففي أعقاب العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956 وصلت إلي بورسعيد سيدات الهلال الأحمر من القاهرة بقطار نقل الجرحى، وذلك لزيارة المصابين بمستشفيات المدينة، وجئن بتبرعات قدرت بآلاف الجنيهات فضلاً عن بطولات العديد من النساء من بورسعيد.

وفيما يتعلق بنشاط الجمعيات الأهلية نجد أن جمعية الهلال الأحمر التي ساهم في إنشائها السيدات من كافة طبقات المجتمع المصري في أعقاب الوحدة  بين مصر وسوريا صدر القرار الجمهوري رقم 473 لسنة 1959 بإنشاء جمعية واحدة للهلال الأحمر في القطرين المصرى والسوري وتكون تحت اسم "جمعية الهلال الأحمر للجمهورية العربية المتحدة" علي أن يكون مقرها الرئيسى مدينة القاهرة ودائرة عماها كل مدن الجمهورية العربية المتحدة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق