جديد المقتطف

Post Top Ad

الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

العمالة المصرية ودورها في الخارج في العصر الأموي (41-132هـ/661-749م)

بقلم: د. محمد جمال الشوربجي

كان لمصر دور مهم وفعال في تاريخ الشرق في العصور الوسطى، ولهذا قصدها الكثير من الغزاة  ووضعوها تحت إشرافهم المباشر مثلما فعل الإسكندر الأكبر، وأوكتافيوس الروماني، وهذه المكانة أكد عليها النبي محمد(صلي الله عليه وسلم) في كثير من أحاديثه لصحابته(رضي الله عنهم) ونصحهم أن يتخذوا منها جنداً كثيفاً فإنهم خير أجناد الأرض إلي يوم القيامة.

وقد تعاظم دور مصر بعد أن فتحها الأمير عمرو بن العاص في سنة20هـ/641م فشاركت في الفتوحات الإسلامية في الشمال الإفريقي وفتح قبرص ورودس وغيرها، وقد تمثل ذلك في تسيير الفتوحات العربية إلي الشمال الإفريقي وإنشاء الأسطول الإسلامي علي يد أمير الشام معاوية بن أبي سفيان وأمير مصر عبد الله بن أبي السرح، وقد ظهر دور مصر جلياً في معركة ذات الصواري سنة34هـ/655م، ولم يقتصر دور مصر في الخارج علي النشاط العسكري بل تعداه إلي الجانب الحضاري حيث شارك أبناؤها بما لديهم من خبرات ومهارات في تطوير العمارة الإسلامية وبناء المرافق في العصر الأموي، وهذا ما سيقتصر عليه حديثنا في هذا المقال.
استخدم معاوية بن أبي سفيان في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه (23-35هـ/643-655م) الأقباط في بناء الأسطول السوري في عكا لمعركة ذات الصواري البحرية[1]. أما عبد الملك بن مروان(65-86هـ/684-705م) فقد أرسل إلي أخيه والي مصر عبد العزيز بن مروان(65-86هـ/684-705م) يأمره بأن يرسل ألف قبطي بأهله وولده إلي افريقية لإنشاء دار صناعه بها[2].
وكان دور هؤلاء الأقباط واضحا في إنشاء أسطول افريقية لسابق معرفتهم وخبرتهم في هذا المجال، فكانت مصر مركزا مهما لبناء السفن في العصر الأموي، وكانت مهمة الأقباط في إفريقيا مزدوجة فكان عليهم حفر الميناء وبناء السفن، فتم حفر ميناء تونس بحفر قناة إلي الداخل اثني عشرا ميلا لذلك يعد هذا الميناء ميناء داخليا، كما كان يشارك بعض الملاحين المصريين في أسطول افريقية في بعض الأحيان[3]، وكانت مهمة البربر هناك ن يجروا ويحملوا إلي دار الصناعة ما تحتاج إليه من الخشب[4].
 وأغلب ما لدينا من أخبار وإشارات عن هذا الدور ترجع إلي عصر الوليد بن عبد الملك(86-96هـ/705-714م) صاحب الإنشاءات والإصلاحات المعمارية الكبرى في التاريخ الأموي. فعندما شرع الوليد بن عبد الملك في بناء جامع دمشق الكبير أرسل إلي واليه علي مصر قرة بن شريك العبسي(90-96هـ/708-714م) يطلب منه عدد من العمال المصريين(المعماريين) للمشاركة في إتمام هذا البناء لما لديهم من خبره في هذا الميدان وتكرر الأمر أكثر من مرة.
وقد عثر علي خطابات من قرة بن شريك إلي بسيل صاحب كوم أشقوه بخصوص هذا الأمر حيث طلب منه في خطاب أرسله إليه إعطاء أربعة دنانير أجر نشار الخشب للعمل في جامع دمشق لمدة ستة أشهر[5]، وفي خطاب أخر يطلب منه صناع للعمل في جامع دمشق.
وعندما أراد الوليد تجديد المسجد الأقصى أرسل إلي قرة بن شريك ليرسل له العمالة اللازمة لذلك، ولذلك أرسل قرة بن شريك إلي صاحب كوم أشقوه يطلب منه إرسال الرجال الشبان القادرين علي أداء العمل وإعطائهم أجرتهم ومعيشتهم بالدينار لمدة سنه كاملة، وكان المطلوب اثنان من الفعلة ونجار، وكانت أجرة الفعلة 8 دنانير وطعامهم 2/1 دينار، أما النجار فأجرة 15 دينار ومعيشته 8 دنانير وطعامه 2/1 دينار[6].
ولم يقتصر نشاط الوليد المعماري علي جامع دمشق والقدس بل تعداه إلي المسجد النبوي بالمدينة حيث كتب الوليد إلي واليه علي المدينة عمر بن العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي وبناؤه، وبعث إليه بمال وفسيفساء وثمانين صانعاً من الروم و أربعين من القبط[7]، ولم يقتصر دور العمالة المصرية علي المشاركة في بناء العمارة الدينية بل تعدي الأمر إلي العمارة المدنية فقد شارك عدد من العمال المصريين في بناء قصر الخليفة الوليد في دمشق[8]، ومما سبق يتبين لنا مدي الدور الذي قام به المصريين في مجال البناء والتعمير ومدي تقدير الخلافة الأموية واستغلالها لهذا الدور في ازدهار الحضارة العربية الإسلامية.

الهوامش المرجعية:



[1] نريمان عبد الكريم: دراسات في تاريخ مصر الإسلامية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 2007م، ص27.
[2] القيرواني (إبراهيم بن القاسم ت:بعد415هـ/1024م): تاريخ افريقية والمغرب، تحقيق: محمد زينهم عزب، دار الفرجاني، القاهرة، ط1، 1994، ص50. وأيضاً: نريمان عبد الكريم: دراسات في تاريخ مصر، ص27؛ سيدة إسماعيل كاشف: عبد العزيز بن مروان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2005م، ص127.
[3] نريمان عبد الكريم: دراسات في تاريخ مصر، ص27.
[4] سيدة إسماعيل كاشف: عبد العزيز بن مروان، ص127.
[5] جابر بن خليل: برديات قرة بن شريك العبسي، تحقيق:مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث، الرياض، ط1، 2004، ص276.
[6] جاسم: برديات قرة بن شريك، ص276.
[7] البلاذري (أحمد بن يحيى ت:297/892م): فتوح البلدان، المكتبة التوفيقية، القاهرة، د.ت، ص22؛ ابن النجار(محمد بن محمود البغدادي ت:643هـ/1245م): الدرة الثمينة في تاريخ المدينة، تحقيق: محمد زينهم عزب، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، د.ت، ص175. وأيضاً: حجازي حسن: مظاهر الاهتمام بالحج والحرمين في العصر الأموي، مكتبة زهراء الشرق، القاهرة، ط1، 2003م، ص163.
[8] سيدة إسماعيل كاشف: مصر في فجر الإسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994م، ص278.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق