جديد المقتطف

Post Top Ad

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2015

وزارة الأوقاف الجديدة

بقلم: أحمد حسن الزيات

أقول "الجديدة" وأنا أعلم أن بين هذه الصفة. بين وزارة الأوقاف نفوراً لا يزول إلا بمعجزة! فهل تمت المعجزة؟ أم لا تزال الوزارة القديمة قائمة في مكانها الأثري كالدير العتيق أو كالطلل الموحش تروع النفس القوية بمسالكها الضيقة المظلمة، ومكاتبها الصامتة الرهيبة، وأضابيرها المكتظة البالية، فكأنما يجول الزائر فيها بين أجداث وأضرحة..

وليست الأضرحة بالكلمة الغريبة عن لغة الأوقاف؛ فهنالك الوقفيات بشروطها العجيبة، والتصرفات بوجوهها المريبة، والأنظمة التي تعقد البسيط وتعوق السريع وتصعب السهل! وهنالك القضايا التي تماطل الحق، والشكاوي التي تنتظر العدالة، والحقوق التي تنكر المستحقين؛ وكلها راقدة في نواويسها الكرتونية رقود البلى لا تسمع دعاء الناس ولا تحس مرور الزمن!
نعم لا تزال الأوقاف القديمة تمثالاً للصدقات الجاريات والصالحات الباقيات والبر بأسمى معانيه؛ ولكن التمثال على كل حال تمثال. كل ما فيه معان من الخير نبض من جسد أصم. أما وزارة الأوقاف الجديدة أو المرجوة فهي في درج الوزير المصلح عبد الحميد عبد الحق؛ وأما المعجزة التي ستؤلف بين الجدة والأوقاف فهي عزيمة الشاب العامل عبد الحميد عبد الحق! والرجل الذي استطاع أن يجعل من العدم وجوداً في وزارة الشؤون، يستطيع أن يجعل من الفساد صلاحاً في وزارة الأوقاف. على أن الذين يعرفون في الأوقاف تلك الصخور التي. أدمت أيدي المصلحين وفلت معاول الإصلاح يقولون إن العمل هنا يختلف عن العمل هناك. كانت وزارة الشؤون أحاديث منى وأساليب بلاغة، فجعلها بثاقب رأيه وصادق عزمه حركة تجديد ونهضة إصلاح. والبناء على الجدد أسرع من البناء على الأنقاض، والتعمير الحر أسهل من الترميم المقيد. أما الأوقاف فهي أحد القروح الثلاثة التي أعضلت الأساة وظلت الدهر الطويل تمج الصديد وتوهم الجلاء أنه من الدين. ولكن المحاكم الشرعية بسبيل النهوض، والأزهر الشريف بسبيل اليقظة، فلم يبق غير هذا القرح مضموم الفم على الفساد ونغل. وقد بلغ من سوء القيام على شؤون الأوقاف أنك لا تكاد تجد في مصر كلها بائساً في بيت كريم إلا من مستحقي الأوقاف، ولا خربة في مكان (صقع) إلا من أملاك الأوقاف. وكان السفهاء من الأجانب يرجعون عيوب هذه المؤسسات الثلاث إلى الطبيعة الإسلام وهو الذي نشر العلم ورقاه، ومدن العالم وحرره.
ومن هدى أولياء الأمر في الدين والدنيا بالنظر في إصلاحها على هدى المدينة الحديثة لتتسق مع الأداة المصرية الأوربية في الإدارة والتعليم والحكم. فدرست العلل، وكتبت التقارير، ووضعت الخطط، وجاء دور التنفيذ فجاء معه الهوى المستبد، والطمع المتهالك، والجهل المتنطع، والتردد الخوار، والمصانعة الحقيرة؛ فانهزمت فكرة الإصلاح وعادة كما بدأت - أحاديث في المجالس، ومقالات في الصحف، وتقارير في الأدراج! فماذا عسى أن يصنع هذا الوزير الفعال وإن أول ما عليه أن يهدم المتصدع ويقطع المؤوف، وربما اتسع الأمر على معولة ومبضعة فيستنفدان جهده ويستغرقان عهده. والهدم والقطع من وسائل الإصلاح لا من غاياته. على أنني شديد الثقة بكفاية هذا الرجل أن كان الأمر كما ترى بلاء العقول الجبارة ومحنة النفوس الكبيرة. وفي يقيني أنه سيعمل لأنه يريد. وأرادته في الأوقاف مطلقة على خلاف ما كانت في (الشؤون). وإن ما كان قد وجه إليه عزيمته من تحقيق الصلاح الاجتماعي بمجاهدة الجهل والفقر والمرض، يستطيع أن يصل إليه عن طريق الأوقاف؛ لأن الأوقاف إنما حبسها المحسنون على كفاح هذه البلايا الثلاث. ولو اجتمع لهذه الأحباس التي تربى على مائتي ألف فدان وستة وثلاثين ألف عقار، الرأس المدبر ولعين الكلوء واليد المصرفة والضمير العفن لهونت على المكدودين متاعب الحياة، وسهلت على المنكودين مصاعب العيش. ولكن هذه الينابيع الفياضة بخير الله قد ردها وا أسفاه! الإهمال والإخلال والعبث إلى أوشال من الرزق لا تكاد تفي بنفقات الإدارة وتكاليف الوزارة!
وزير الأوقاف القائم على شؤونها اليوم حقيق أن يكذب ظنون المتشائمين في إصلاح هذه الوزارة. وأن في ابتدائه بتنظيم الإدارة وأحياء الثقة واستثمار المتروك وتبسيط الإجراء وتعجيل التنفيذ لدليلاً على توخيه النجاح من أقرب طرقه.
ولعل الأستاذ الوزير أول من أعلن لوزارة الأوقاف رسالة. ورسالتها كما جاء في حديثه لممثلي الصحف أن تسير على هدى الروح التي تتجلى في المدية الإسلامية: مدينة العلم والخلق والتعاون، فهيئ للمساجد - وهي التي كانت في صدر الإسلام مصدراً لكل ذلك - الوسائل الصحية والدينية والعلمية، ليكون كل مسجد من مساجد الوزارة، في كل قرية من قرى مصر، مؤسسة ثقافية تدير الأبدان بالطب، الأذهان بالعلم، وتطهر النفوس بالدين، وتوثق الأواصر بين الناس بالمودة والمعونة. ووسيلتها رفع مكانة العاملين ليستطيعوا أداء هذه الرسالة، وإنشاء قسم (الخدمة الاجتماعية بالمساجد) ليمهد لتنفيذ هذه السياسة. وسيجد الوزير العامل مع تراخي الزمن وتوفر المال أغراضاً شيء لرسالة الوزارة تجدد بعض ما درس من رسالة الإسلام. وسيجعل (رجل الشؤون الاجتماعية) من الأوقاف بيت مال لله يكون مثابة للفقير ومصحة للمريض ومدرسة للجاهل. وإن في شيء الأغراض الخيرية التي قصدها الواقفون البررة منتجعاً لآمال الوزير. وإن في ريع خمسين مليوناً من الجنيهات الموقوفة متسعاً لأعمال البر. ولقد كتبنا من قبل في وزارة الأوقاف القديمة ما أملاه الألم والشكوى، فسعى أن نكتب في وزارة الأوقاف الجديدة ما يمليه الأمل والثقة!


* الرسالة، عدد 526، 2 أغسطس 1943، ص 601، 602..