جديد المقتطف

Post Top Ad

الأحد، 11 أكتوبر 2015

وباء الطاعون وأثره على بلاد الشام والعراق في العصر الأموي

بقلم: د. محمد جمال الشوربجي

مرض الطاعون مرض قاتل تسببه بكتيريا خبيثة تعرف باسم "باستوريابسننس" التي كانت في لأصل تصيب الفئران، ثم انتقلت إلي البشر عن طريق الطيور المهاجرة، والحيوانات مثل الفئران والحشرات مثل البق والبراغيث، بل حتى عن طريق الرياح والأهوية الفاسدة المارة بجيف الموتى التي ساهمت في نقل عدواها عند استنشاقها[1]، ولاشك أن طريق القوافل البرية والرحلات البحرية كانت من أهم وسائل نقل الوباء إلي الآخرين[2].
ولهذا نجد هذا الوباء كثير الانتشار في بلاد الشام بحكم وقوعها علي طريق السفن البحرية بالبحر التوسط، كما كان يمر بها طريق التجارة من الشرق إلي الغرب، وهذا الأمر ينطبق أيضا علي أكبر مدن العراق وهي البصرة التي كانت تشرف علي طريق التجارة البري والبحري حيث تشرف علي الخليج العربي، وبحكم الجوار نجد الطاعون ينتشر أيضاً في مدينتي الكوفة وواسط في بعض السنوات.
فمع بداية العصر الأموي وبالتحديد في عام49هـ/669م وقع طاعون بالكوفة فخرج منها أميرها المغيرة بن شعبة هرباً منه، فلما عاد إلي الكوفة أصابه الطاعون فمات[3]، وفي عام53هـ/672م وقع طاعون في البصرة فأصيب به واليها زياد بن أبيه[4]، كما وقع بالبصرة الطاعون الذي يقال له الطاعون الجارف في عام 65هـ/684م فمات بسببه خلق كثير من أهل البصرة  مثل أبو الأسود الدؤلي، والأحنف بن قيس، وكان الأمير يومئذ ابن عبيد الله بن معمر فماتت أمه في الطاعون، فما وجد لها من يحملها حتى استأجر لها أربعة رجال، فحملوها إلي حفرتها[5]، وقد استمر هذا الطاعون ثلاثة أيام، ومات فيه مالا حصر له[6]، وقد شمل هذا الأمر بلاد الشام[7].
ثم كانت سنة79هـ/698م حيث أصاب الطاعون بلاد الشام حتى كادوا يفنون من شدته[8]، وفي السنة التي تليها حدث طاعون شديد بالبصرة نتج عنه الكثير من الموتى[9]، كما انتشر الطاعون في سنة86هـ/705م بالشام والبصرة وواسط وكان يسمي طاعون الفتيات لأنه بدأ بالنساء فسمي بذلك[10]، وفي سنة107هـ/725م وقع طاعون شديد بالشام[11]، أما واسط فقد وقع بها طاعون سنة114هـ/732م[12]، وفي السنة التي تليها كان الطاعون بالشام[13]، كما وقع طاعون بالشام والعراق وكان شديدا بواسط[14]، وكانت وفاة الخليفة يزيد بن عبد الملك في سنة126هـ/743م بسبب طاعون أصابه[15]. أما سنة130هـ/747م فقد وقع الطاعون بالبصرة ونتج عنه الكثير من الموتى[16].

الآثار الناتجة عن هذا الوباء:
الآثار العسكرية:
نتجت عن هذه الطواعين توقف الغزو وإرسال الجيوش من الشام للفتوحات كما حدث في سنة79هـ/689م[17].
الآثار الاجتماعية:
من الآثار الاجتماعية التي نتجت عن هذا الوباء حدوث التخلخل السكاني في البلاد، حيث يتحرك الناس من أماكن الوباء إلي أماكن أخري فتعاني أماكن الطرد من قله سكانية، وتعاني أماكن الجذب من زيادة سكانية، بجنب النقص العددي للسكان نتيجة وفاتهم بالطاعون وخاصة الفقراء والفلاحين.
الآثار الاقتصادية:
نتج عن التخلخل السكاني ارتفاع الأسعار، وتدهور النشاط الزراعي بالقرى نتيجة هجرة الفلاحين إلي المدن، كما أن تركهم للعمل حولهم إلي معدمين مما أدى إلي انتشار أعمال السلب والنهب، ولهذا قاوم الحجاج بن يوسف الثقفي (ت:86هـ/705م) بشده هذه الهجرات الريفية إلي المدن فعمد إلي إرجاعهم بالقوة إلي القرى، وختم علي يد كل واحد منهم اسمه واسم البلدة التي وجهه إليها، وعهد إلي خراش بن جابر العجلي مسئولية ذلك[18].
الآثار النفسية:
كان الناس ينظرون إلي الأوبئة من وجهه دينيه، فيرون فيها غضب من الله علي العباد، ولكي يخفف الله عنهم ذلك لابد لهم من التوبة والابتعاد عن المعاصي ولزوم المساجد والتضرع إلي الله بالدعاء أن يرفع عنهم هذا الوباء.

الهومش:



[1] خوليو فالديون: الوباء الأسود في عالم القرن الرابع عشر الميلادي، ترجمة: إسحاق عبيد، نشر ضمن ندوه مطبوعة بعنوان"ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي"، طبعة مكتبة الإسكندرية، 2007م، ص254.
[2] حسام مختار العبادي: وباء الطاعون في الشرق، بحث منشور ضمن ندوة ابن خلدون، ص260.
[3] الطبري (محمد بن جرير ت:310هـ): تاريخ الأمم والملوك، ج3، المكتبة التوفيقية، القاهرة، 2006م، ص226؛ ابن كثير (إسماعيل بن عمر ت:774هـ/1373م): البداية والنهاية، ج5، المكتبة التوفيقية، القاهرة، د.ت، ص446.
[4] الطبري: تاريخ الأمم، ج3، ص261؛ ابن كثير: البداية والنهاية، ج5، ص477.
[5] الطبري: تاريخ الأمم، ج3، ص465؛ الذهبي (محمد بن أحمد بن عثمان ت: 748هـ/1347م): تاريخ الإسلام، ج5، تحقيق: عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1997م، ص66.  
[6] ابن كثير: البداية والنهاية، ج6، ص13.
[7] الغمري (أحمد بن سعد الدين العثماني ت: 1050هـ/1640م): ذخيرة الأعلام في تاريخ أمراء مصر في الإسلام، مخطوط رقم 6625 تاريخ، دار الكتب المصرية، القاهرة، ص82.  
[8] الطبري: تاريخ الأمم، ج3، ص670؛ الذهبي: تاريخ الإسلام، ج5، ص339؛ ابن كثير: البداية والنهابة، ج6، ص121.
[9] الطبري: تاريخ الأمم، ج3، ص672؛ ابن كثير: البداية والنهابة، ج6، ص125.
[10] الذهبي: تاريخ الإسلام، ج 6، ص25؛ ابن كثير: البداية والنهابة، ج6، ص156.
[11] الطبري: تاريخ الأمم، ج4، ص129؛ ابن كثير: البداية والنهابة، ج6، ص331.
[12] الطبري: تاريخ الأمم، ج4، ص162.
[13] الطبري: تاريخ الأمم، ج4، ص162.
[14] الطبري: تاريخ الأمم، ج4، ص 163؛ ابن كثير: البداية والنهابة، ج6، ص395.
[15] ابن كثير: البداية والنهابة، ج6، ص448.
[16] الطبري: تاريخ الأمم، ج4، ص364.
[17] الطبري: تاريخ الأمم، ج3، ص670؛ ابن كثير: البداية والنهابة، ج6، ص121
[18] هزاع بن عيد الشمري: الحجاج بن يوسف وجه حضاري في تاريخ الإسلام، أجا للنشر، الرياض، ط2، 1993م، ص58.