جديد المقتطف

Post Top Ad

الأحد، 18 أكتوبر 2015

تطور سياسة الحصار الاسرائيلية على قطاع غزة

بقلم الباحثة: إلهام جبر شمالي .. فلسطين

الحصار والإغلاق سمة من سمات الاحتلال الإسرائيلي، وجزء خطير من سياساته، فهو ضمن عقوبات التجويع والقتل؛ بهدف التهجير القسري للمواطنين، لإخلاء ما تبقى من أراضيهم، وإلحاق أكبر الضرر بالاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، وقد بدأت إسرائيل اتباع سياسة الإغلاق والحصار بشكل تدريجي ضد المواطنين الفلسطينيين، إلى أن أصبحت سياسة ثابتة وممنهجة طالت مناحي الحياة كافة.

بدأت سياسة الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، منذ أن أكملت إسرائيل احتلالها لباقي فلسطين في حرب الخامس من حزيران/ يونيو1967، فأعلنت إغلاق القطاع منذ اليوم الأول لاحتلاله بموجب القرار العسكري رقم"1"، وقد جاء فيه: إن قطاع غزة منطقة عسكرية مغلقة، ومُنع الخروج أو الدخول إليه، ومن ذلك الوقت اتخذت إسرائيل الإغلاق سياسة استراتيجية للتعامل مع القطاع؛ لفصله عن الضفة الغربية وأراضي فلسطين المحتلة عام 1948[1]، بهدف السيطرة على الموارد الاقتصادية الفلسطينية واستغلالها، والتحكم في المنشآت الاقتصادية، والعمل على ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي في إطار تبعية تامة[2].
ومع اندلاع الانتفاضة الأولى نهاية 1987، اتخذت إسرائيل التدابير الأمنية والعسكرية والإدارية لخنق الشعب الفلسطيني وإخماد انتفاضته، واتضح ذلك بفرض حظر التجوال" الطوق" والاعتقالات والغرامات المالية الكبيرة، وزادت القيود على حركة المواطنين بإصدار البطاقة الممغنطة عام 1989، وأصبح العاملون داخل الأراضي المحتلة بحاجة إلى تصاريح دخول؛ ليتمكنوا من العمل فيها[3].
وتطورت الممارسات الإسرائيلية بُعيْد توقيع اتفاقية اوسلو 1993، وملحقها الاقتصادي "اتفاقية باريس الاقتصادية 1994"[4]، تبعا للمتغيرات الأمنية والسياسية؛ فأصبحت سياسة الإغلاق ذريعة إسرائيلية تُستخدم بين فترة واخرى، رداً على أحداث معينة، أو كإجراء وقائي- يتم اتخاذه تحسباً لما تدعيه- لمنع وقوع أية عمليات فدائية داخل المدن المحتلة، فكانت تلك الإغلاقات تبدأ بشكل صارم، ثم تتراجع تدريجياً، ويُعد الإغلاق الذي فُرض بتاريخ 25شباط/ فبراير1996، الإغلاق الأول من نوعه، في شدته وصرامته وشموليته لمناحي الحياة  في القطاع، فقد بلغ عدد أيام الإغلاق نحو 138 يوماً، بنسبة 37.8% من أيام العام[5]، وفيه أُغلقت جميع منافذ القطاع، ومُنع الفلسطينيون من التنقل، وأُوقفت جميع عمليات الاستيراد، والتصدير منه طوال تلك الفترة[6].
وأدى اشتعال انتفاضة الأقصى في28 أيلول/ سبتمبر2000[7]، إلى تشديد سياسة إغلاق المدن الفلسطينية، وجعلها أشبه بالكنتونات المعزولة عن بعضها، وعن العالم الخارجي أيضاً، ففرضت حصاراً برياً شاملاً داخلياً وخارجياً لفترات طويلة[8]، فمنعت حركة الأفراد والمركبات، وتوقف الواردات والصادرات من الداخل الفلسطيني، أو عبر الموانئ الإسرائيلية[9].
ورغم الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة عام2005، والادعاء بإزالة مظاهر الاستيطان وإزالة المواقع العسكرية، إلا أن السيطرة الإسرائيلية بقيت محكمة، ولم تختلف كثيراً؛ بسبب الهيمنة على الغلاف الخارجي، عبر الإبقاء على السيطرة العسكرية من خارجه، وإحكام قبضتها على المعابر الحدودية، التي تم تحديدها وفق اتفاقية الحركة والعبور الموقعة بتاريخ 25/11/2005[10]، رغم أنها نصّت بشكل صريح على ضمان قوات الاحتلال الإسرائيلي استمرار عمل المعابر، وإتاحة فرص التصدير[11].
وتضاعفت التدابير الإسرائيلية تجاه قطاع غزة عقب فوز حماس في انتخابات عام 2006 وتشكيلها الحكومة العاشرة ؛ ففرضت مزيداً من التدابير، والهادفة لخنق القطاع وعزله عن العالم الخارجي بصورة أوسع، وألقت تلك الإجراءات بثقلها على الاقتصاد الفلسطيني بشكل عام، واقتصاد قطاع غزة بشكل خاص، إذ أعلنت إسرائيل والمجتمع الدولي رفض التعامل مع تلك الحكومة على مختلف الصعد، وجاءت عملية أسر الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط" في 25يونيو/حزيران2006 [12]، لتُتخذ ذريعةً إضافية في فرض الحصار الشامل على القطاع،  فأغلقت معابر القطاع كافة، وفرضت قيوداً مشددة على حركة تنقل الأفراد والبضائع؛ مما أدخل الاقتصاد الفلسطيني في أزمة مركّبة، وعميقة أثّرت بظلالها على الأوضاع الداخلية، وضاعفت من تأثير الحصار المفروض على القطاع[13].
ساءت الأوضاع الأمنية الداخلية في القطاع، مع احتدام النزاع الداخلي بين أجهزة السلطة القريبة من حركة فتح وحماس، على أكثر من صعيد؛ فأدى إلى الانقسام الفلسطيني في 14 يونيو /حزيران2007، وقد استغلت إسرائيل ذلك؛ لتكمل سياستها بفرض الحصار الأوسع والأشمل على قطاع غزة، بهدف تكريس الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد الفصل الجغرافي الذي طبَّقته إسرائيل مسبقاً، وشمل فرض الحصار الإسرائيلي حملة مقاطعة دولية وحصار سياسي، رافقه قطع المساعدات الدولية، ووقف التحويلات المالية، والعلاقات المصرفية، وجميع الأنشطة التجارية الخارجية[14].
اعتبرت الحكومة الإسرائيلية في 23 أيلول/ ستمبر2007 قطاع غزة كياناً معادياً؛ ففرضت عليه مزيداً من العقوبات والإجراءات التي كرّست الحصار القائم[15]، وترتب على ذلك القرار منع دخول مواد البناء، والمواد الخام اللازمة للصناعات المحلية، وأوقف إدخال العملات المختلفة، وأوقفت عمليات الاستيراد والتصدير بشكل أوسع من ذي قبل، وأثّر ذلك الإغلاق والحصار طويل المدى والمتكرر على بنية الاقتصاد في قطاع غزة الضعيف أصلاً[16].
ثم تبع ذلك عدوان متكرر على قطاع غزة ، فقد شنت إسرائيل عدواناً في نهاية عام 2008، ومطلع عام 2009، وعدواناً آخر في عام2012، وعدواناً ثالثاً في عام 2014، وقد سقط آلاف الشهداء، والجرحى، في ذلك العدوان المتكرر والمتواصل، وهُدِّمت أعداد كبيرة من البيوت والمصانع وورش العمل، وتضررت البنى التحتية بشكل كبير على مستوى قطاع غزة في ظل تواصل سياسة الحصار[17].
يتبين من كل ما سبق أن سياسة الحصار بدأت، وتدرّجت، منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي  لقطاع غزة، لكن حدّتها زادت بعد انتفاضة الأقصى عام2000، وما أن كان عام 2006، وفازت حماس في الانتخابات، حتى بدأت مرحلة جديدة من تشديد الحصار، بعد أن اتضح للاحتلال الاسرائيلي موقف حركة حماس من عملية التسوية السياسية، ليأخذ الحصار بُعداً دولياً إضافة إلى إسرائيل، فبدا وكأنه عقاب لقطاع غزة بأكمله. فتعددت أشكال الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة منها الحصار الجوي والبحري والبري الذي تمثل في إغلاق المعابر الحدودية للقطاع.

الهوامش:




[1] المركز الفلسطيني لحقوق الانسان: الإغلاق الإسرائيلي لقطاع غزة على ضوء القانون الدولي،ج1، غزة 1997، ص8؛ الرملاوي، نبيل: قطاع غزة بين التحرر والهيمنة الإسرائيلية؛ الوضع القانوني لقطاع غزة، شؤون فلسطينية، ع 248م، سنة2012، ص51.
[2] سرداح، خليل: الاقتصاد الفلسطيني بين فك الارتباط مع الاقتصاد الاسرائيلي وأفاق التكامل الاقتصادي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الأزهر، غزة 2012، ص15.
[3] المركز الفلسطيني لحقوق الانسان: الإغلاق الإسرائيلي لقطاع غزة على ضوء القانون الدولي، ج1، غزة 1997، ص9.
[4] وِّقع بروتوكول باريس الاقتصادي في 29 نيسان/ أبريل عام 1994، بعد توقيع اتفاقية الحكم الذاتي وإنشاء السلطة الفلسطينية، كمرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، وهو عبارة عن وثيقة إعلان مبادئ  تحدد العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية من ناحية، وبين السلطة الفلسطينية والعالم الخارجي، ويعطي الاتفاق إسرائيل صلاحيات واسعة في التحكم بالتجارة الخارجية الفلسطينية، وعمل الاتفاق على تكريس التبعية الاقتصادية لإسرائيل بصورة كبيرة (معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني" ماس": المراقب الاقتصادي والاجتماعي، 2012، ع29، ص35).
[5] عبد الرازق، عمر وآخرون: تأثير الحصار الإسرائيلي على الاقتصاد الفلسطيني خلال الفترة 28/9/200 - 30/6/2001، معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، رام الله 2001، ص19.
[6] المركز الفلسطيني: الإغلاق الإسرائيلي، ص14.
[7] اندلعت في 28ايلول/ سبتمبر2008؛ نتيجة الاقتحام الاستفزازي الذي قام به أرئيل شارون للمسجد الأقصى الشريف، دون مبرر سوى استفزاز الفلسطينيين، والاعتداء على مشاعرهم الدينية والوطنية، واستخدمت إسرائيل في قمع الانتفاضة أنواعاً متعددة من الأسلحة ، وقصف الاماكن السكنية ومقرات الاجهزة الأمنية ومباني السلطة، وتجريف الاراضي الزراعية، وهجمات المستوطنين على البيوت (تماري، سليم: انتفاضة الاقصى، الخلفية والتشخيص، مجلة الدراسات الفلسطينية، ع45-46، 2001، ص26).
[8] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني: البيئة والتنمية المستدامة في الأراضي الفلسطينية عام 2010، رام الله ، ص5.
[9] الجهاز المركزي: البيئة والتنمية المستدامة، ص50.
[10] وقعت بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الامريكية، وتعنى الاتفاقية بحركة وتنقل سكان قطاع غزة إلى الخارج عبر معبر رفح الحدودي، وتضمنت معايير حركة وتنقل السكان، وبضائعهم بين قطاع غزة والضفة الغربية والخارج، عبر المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل في محيط القطاع، وقد نصت الاتفاقية على وجود مراقبين من دول الاتحاد الاوربي كطرف ثالث يرعى التزام السلطة الفلسطينية بالامتثال بكافة الأحكام والقواعد الخاصة وبشروط الاتفاقية ، وكرّست تلك الاتفاقية سيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة والتحكم به (المركز الفلسطيني لحقوق الانسان: اتفاقية المعابر عام أخر من المعاناة ، تقرير حول أثار القيود على حرية التنقل في قطاع غزة خلال عام من تطبيق اتفاقية المعابر 25/11/2005-24/11/2006، غزة، ص4-5؛ صالح، محسن: معابر قطاع غزة؛ شريان حياة أم أداة حصار، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، ص7-8).
[11] الرملاوي، نبيل: قطاع غزة بين التحرر والهيمنة الإسرائيلية، مجلة شؤون فلسطينية، ع 248، 2012، ص53؛ صالح، محسن: معابر قطاع، ص9-10.
[12] أسر في عملية (الوهم المتبدد) التي  نفذتها ثلاث مجموعات فلسطينية مقاومة في 25/6/2006، ضد موقع لقوات الاحتلال الاسرائيلي في معبر كرم أبو سالم على بعد ثلاث كليومترات من معبر رفح الحدودي؛ وأدت تلك العملية إلى مقتل جنديين إسرائيليين، واستشهاد مجاهد فلسطيني واحد، وأسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، وقد انتهت عملية الأسر بإبرام صفقة تبادل الاسرى "وفاء الأحرار" في 18/10/ 2011 (جريدة القدس: 19اكتوبر 2011، الموقع الالكتروني:
http://www.alquds.com/news/article/view/id/303107?fb_ref=Default%2C%40Total
[13] المركز الفلسطيني: خمس سنوات ومازال الحصار مستمراً؛ تقرير حول أثر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، 2012، ص4.
[14] نصر، عبد الكريم: بيئة وأداء الاقتصاد الفلسطيني 1994- 2007، مجلة أوراق، ع1، ص113؛ معهد أبحاث السياسات الاقتصادية "ماس": المراقب الاقتصادي والاجتماعي، ع7، 2006، القدس، ص126.
[15] صالح، محسن: التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لعام 2007، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت 2008، ص373.
[16] العجلة، مازن: حصار المحاصر، تطور سياسة اغلاق معابر قطاع غزة التجارية وتداعياتها، مركز التخطيط الفلسطيني، غزة، 2011، ص28.
[17] السحار، خالد: يوميات حربين على غزة (الفرقان 2008، وحجارة السجيل 2012)، مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني، غزة ، ط1، 2014، ص216؛ شعث، عزام: العدوان الحربي الإسرائيلي على قطاع غزة؛ الأسباب والتداعيات، شؤون فلسطينية، ع257، 2014، ص11.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق