جديد المقتطف

Post Top Ad

الخميس، 19 نوفمبر 2015

يوميات جندي في حرب الاستنزاف (2/ 3)

بقلم الباحث/ مصطفى محمود على

ما زال حديثنا متواصلاً مع أحد أبطال حرب (الاستنزاف 1967م) وحرب (أكتوبر المجيدة عام 1973م) إنه الجندي المقاتل الشجاع "جمال محمد عبدالعال"؛ أحد أبناء قرية (نزلة ضاهر) التابعة لمركز ديروط – محافظة أسيوط، المولود فى الخامس من ديسمبر عام 1943م، والذى قضى عشر سنوات في الخدمة العسكرية، تبدأ من 1/5/1966م، وتنتهي في 1/10/1975م،، مدافعاً عن وطنه العزيز، بجوار زملائه، حتى أصيب بإصابات بالغة بعد أحد عشر يوماً من بدء المعركة، معركة العبور عام 1973م فقد كان على (خط النار) في مواجهة العدو.

وقد استعرضنا في الحلقة السابقة؛ بعض ذكرياته عن حرب الاستنزاف، ورحلة العودة المريرة من سيناء، سائراً على قدميه، وشاهد فيها من الأهوال ما يعجز القلم عن وصفه، وكيف تحمل هو ومن معه آلام النكسة، وأثبتوا أنهم قادرون على مواجهة العدو، إذا ما أتيحت لهم الفرصة، لكنهم فوجئوا بالحرب على حين غرة، ويعلِّق على هذا المشهد بلهجته الصعيدية المعهودة التي تفيض حماسة وقوة، قائلاً: "الجندي الاسرائيلي بيخاف من خياله .. فما بالك لو لقينا قدامه !! بيخافوا موووت وميقدروش يتحملوا ربع اللى بنتحمله احنا من صبر، وقوة، وعزيمة، واقدام .. احنا أسود وهمه صعاليك وفئران".
وقد أبكانى بكلامه عندما تحدث – سابقاً - عن اليوم الذى استشهد فيه البطل المغوار والقائد الميداني الفذ، الفريق أول/ عبد المنعم رياض في التاسع من مارس عام 1969م، وكان يوم مقتله يوماً عصيباً على الجنود المقاتلين، فقد كان لهم القدوة والمثل الأعلى في النضال، يقول عنه: "الله يرحمك يا عبد المنعم رياض مات جنبينا في جزيرة البلاح"، حيث كان يشرف على تنفيذ خطة أعدها الجيش لتدمير خط بارليف.
كما تحدث عن مدى الحب والتقدير من كل القيادات للجنود، واعتبروا أنفسهم جميعا بأنهم قادة في قلب المعركة، معلقاً على هذه الروح الجميلة: "كان الضابط والعسكري واحد، لم يكن الضابط يقول يا عسكري تعالى ولا أعمل ولا أكنس ولا يديلو شلوت، لكن يقوله يا فلان يا أبو فلان أزيك تعالى، كان بيقعد ياكل معاه، كان كله شخص واحد مفيش ضابط ولا عسكري، كان كله قيادة، كان كله احترام وأدب، وكانت روحه فى السما طوال أيام المعركة".
ونستطيع الآن أن نترك العنان لعم جمال ليسرد لنا وقائع ما قبل المعركة حتى العبور المجيد؛ ونبدأ حديثنا عن: موقعة (إيلات) وهي إغراق المدمرة البحرية الإسرائيلية في البحر المتوسط، أمام مدينة بورسعيد في الساعة الخامسة من مساء يوم 21/10/1967م، وهى عملية مختلفة تماماً عن عمليات الهجوم على ميناء إيلات الإسرائيلي، وإغراق الناقلتين العملاقتين "بيت شفيع" و"بات يام"، يقول: "يا سلام على ضربة إيلات .. أنا كنت داخل بورسعيد جديد، وكان كل راجل وست، شاب وفتاه، كان كله بيطلع يزغرد، وكانت الناس تجيب للعساكر الصوانى المملوءة بالأكل .. ولو دَخلت إيلات كانت احتلت جمهورية مصر العربية، كانت هتحتل قناة السويس والمنصورة وتخش على بحيرة المنزلة ومع السلامة يا مصر، لكن ربنا كرمها بعسكري مصري بطل، ضربها بصاروخ قعدت تلف ضربها بالصاروخ التاني، وتعاملت وزملائي مع هذه السفينة بالسلاح حيث كنا قريبين منها على بعد 2كم".
ويستمر جمال فى وصف ليلة تدمير السفينة الحربية إيلات، بأنها كانت ليلة شبيهة بالعرس، حيث نزلت النساء والرجال للشوارع بالفوانيس، حتى صارت مدينة بورسعيد والبحر المتوسط كقطعة نور، لأن هذه الضربة كانت أول انتصار حقيقي بعد النكسة.
*   *   *
مازلنا فى حرب الاستنزاف، فقد تبدلت المواقف ووقف الاتحاد السوفيتي موقف مشرف بعد النكسة مع مصر، حيث اتجه عبد الناصر لعقد صفقات سلاح معهم، وبدأت عمليات التسليح بشكل كامل، كما بدأت القوات ترجع بكامل عدتها فى جميع الأماكن على الجبهة.
وفى ظل هذه الأجواء كان يأخذ إجازة ويذهب لبلده - أسيوط - ويلتقي بأهله وأصدقائه، الذين كانوا ينظرون إليه على أنه بطل وهو بالفعل كذلك، وعند عودته يتعامل مع العدو مباشرة، ويقضى هذه الإجازة بسعادة وسط أولاده، وهو عائد للمعركة يكون سعيد جداً، ويأخذ معه ما لذ وطاب من: "الفطير المشلتت، والجبنة القديمة، والعسل الأسود"، وهدايا لزملائه، ويعبر عن هذه الحالة: "وكله أخر تمام".
نعود مرة أخرى؛ ليوم وفاة عبد المنعم رياض يقول جمال: "كنا في جزيرة البلاح ساعت ما انضرب قرب العصر، حيث كان يستطلع القوات فانضرب بصاروخ إسرائيلي، ومات هوه والقيادة اللي كانت معاه"، وبعد هذه الواقعة المريرة تغيرت بعض القرارات كرد فعل سريع، وهنا تأتى شهادة الجندي كأحد المشاركين في الحرب، ويسمع الأوامر وينفذها، فبعد أن كانت الأوامر تقول بعدم التعامل مع العدو إلَّا بأوامر عسكرية، تغيرت تماماً؛ فأصبحت على جميع الوحدات أن تتعامل مع العدو بدون أوامر بطول القناة.
ويبدو أنَّ الجنود رحبوا بهذا القرار أيما ترحيب، لأن السبب أورده جمال فى أسلوبه العامي قائلاً: "عُقبال ما أنا اتصل بقيادة السرية، وقيادة السرية تتصل بالكتيبة، ثم تتصل بقيادة الجيش، يكون العدو احتلنا"، كما قال أيضاً: "بعد موت عبد المنعم رياض بدقائق جانا قرار جمهوري من عبد الناصر، "على جميع القوات المسلحة أن تتعامل مع العدو بدون أوامر بطول 180 كم، من السويس لبورسعيد .. بعد كده الجبهة قعدت مولعة نار لحد ما قامت المعركة – 1973م - وبعد هذا القرار لمْ يجرؤ العدو على النزول للقناة، وخاصة الفتيات المحاربات الإسرائيليات اللاتي كن ينزلن للمياه"، ويعلق على ذلك: "كان من المفروض إنه يحصل من بدري لأن لازم يكون في دفاع، لان كده ممكن الأوامر متتنفذش، وهضيعني يا عم الحج، يبقى واحد بيحاربني وهيموتنى وتقول لي انتظر لما أديك الأمر!!".
وعندما سألته عن مدى قبوله لهذه الأوامر؟ قال: "مكنتش عجبانى لكننا كنا ننفذها بالضبط"، ثم قال: "بعد القرار الجمهوري خلاص بقينا نتعامل مع العدو .. أيّ واحد يظهر يُضرب بالنار على طول"، وفى هذه المعمعة شارك في عبور القناة لأكثر من مرة وأتى بأسرى إسرائيليين، وبالرغم من ذلك استشهد عدد كبير من المقاتلين المصريين، أو من العمليات الهجومية.
هكذا شارك جمال فى حرب الاستنزاف من بدايتها مدافعاً عن الأرض، والوطن، والعرض، والأهل، وفقد أعز أصدقائه ورفقاء دربه في المعارك الكثيرة الذين تحدث عنهم بصوت متهدج حتى أبكاني مرة أخرى، لكنه كان يعلم أنهم شهداء وأن مثواهم الجنة.
ونتوقف هنا لنكمل في الحلقة القادمة والأخيرة؛ أهم محطة في حياة هذا البطل، وهى لحظات العبور والتحام البنادق، واشتعال النيران، واستشهاد الأصدقاء، واصابته بعد ذلك، ثم قصته في المستشفى وزيارة الفنانين والفنانات لمرضى الحرب، ومحاولة ادخال البهجة على قلوبهم، كما نسلط الضوء على سيرته الشخصية، وحياته الريفية، وأهم أقواله، وكيف أصبح نموذجاً رائعاً بين أهله وجيرانه.