جديد المقتطف

Post Top Ad

الثلاثاء، 21 فبراير 2017

وزراؤنا والأدب | مقال نادر لأحمد حسن الزيات

بقلم: أحمد حسن الزيات *

من القضايا التي صدقت في الماضي والحاضر، وفي الشرق والغرب، أن الأدب والفن لا يزدهران ولا ينتشران إلا في ظلال ملك أو وزير أو أمير.

وصدق هذه القضية جاءها من أن الأدب العالي والفن الرفيع لم يكونا من مطالب العامة في أي عهد؛ إنما يطلبهما عشاق المجد والحمد ممن بلغوا الغاية القصوى من بسطة الحياة وسطوة الملك فتشوقت نفوسهم وامتدت عيونهم إلى أبعد من ذلك.
يطلبهما الملوك وأشباههم من أولى الصدارة والإمارة لأنهما العطر الباقي في يد ابن آدم من الجنة؛ فمن لم يطلبهما لمتعة النفس وسعادة الروح، طلبهما لزينة الملك وجمال الأحدوثة، فالأدب والفن بمعناهما الأعلى أرستقراطيان لا يرفعهما إلا الرفيع، ولا يقدرهما إلا القادر. فإذا نزلا إلى الشعب ابتذلا فلا ينفعانه ولا يرفعانه. إنما الأدب والفن معنيان من معاني السماء يحملك النزوع إليهما على أن تطمح ببصرك إلى الفوق؛ ويدفعك الطمع فيهما إلى أن تطوح بنفسك إلى الأمام. ومن هنا كان الرجل إذا سمعت ملكاته بالعلم أو بالملك، ورقت مشاعره بالتربية أو بالمدنية، وجد نفسه في أفق الفن محفوظاً برجاله، مغموراً بجماله. فإذا كان صاحب السلطان من ذوي القرائح الفنانة كان جدواه على الأدب من جهتين: جهة الاقتداء به في الإقبال عليه، وجهة المكافأة منه على الإحسان فيه. والناس منذ كانوا على دين الملوك وهوى القادة. قال أسامة بن معقل: (كان السفاح راغباً في الخطب والرسائل يصطنع أهلها ويثيبهم عليها، فحفظت ألف رسالة وألف خطبة طلباً للحظوة عنده فنلتها. وكان المنصور بعده معنياً بالأسمار والأخبار وأيام العرب يدني أهلها ويجزيهم عليها، فلم يبق شيء من الأسمار والأخبار إلا حفظته طلباً للقربة منه فظفرت بها. وكان موسى مغرماً بالشعر يستخلص أهله، فما تركت بيتاً نادراً، ولا شعراً فاخراً، ولا نسيباً سائراً، إلا حفظته؛ وأعانني على ذلك طلب الهمة في علو الحال. ولم أر شيئاً أدعى إلى تعلم الآداب من رغبة الملوك في أهلها وصلاتهم عليها. ثم زهد هارون في هذه الأربعة فأنسيتها حتى كأني لم أحفظ منها شيئاً).
وكل أديب أو فنان أو عالم هو في ذلك أسامة بن معقل. وما النهضات الأدبية والعلمية في الأمم إلا وثبات للمجد الروحي في نفوس بعض الملوك. وفي تاريخنا الأدبي نستطيع أن نؤرخ النهضات فيه بتاريخ معاوية وعبد الملك في دمشق، والرشيد وابنه المأمون في بغداد، وعبد الرحمن الناصر وابنه الحكم في قرطبة، والعزيز بالله وابنه الحاكم في القاهرة. وإن في قصور بني نويه في الرصافة، وبني حمدان في حلب، وبني عباد في إشبيلية، لمنازل للوحي تنبأ بالقريض فيها من تنبأ، وبعث برسالة العلم منها من أرسل. وإنك لتذكر الوزراء والأدباء من أمثال ابن العميد، والصاحب بن عباد، ويعقوب بن كلس، ولسان الدين بن الخطيب، والقاضي الفاضل، فتذكر مجالي بالأدب ناظرة، ومغاني بالعلم عامرة، ومجالس كانوا فيها شموساً تدور من حولها توابعها تستمد الحرارة وتمد، وتقتبس النور وتقتبس.
وكان للمجالس الأدبية والعلمية في عصرنا الذهبي نفحات من الإلهام أيقظت رواقد العبقرية في ألوف من الأذهان الخصبة والقرائح الموهوبة فازداد بهم الأدب والعلم ازدهاراً وابتكاراً وكثرة.
كان للرشيد مجلس للأدب بلغ لألاؤه أطراف الإمبراطورية الإسلامية فعشا على ضوئه صاغه القريض ورواته حتى ضاقت عليهم بغداد بما رحبت، فاضطر يحيى بن خالد إلى امتحانهم في الشعر وترتيبهم في الجوائز، ليخفف من زحمة الأدباء عن عاصمة الدنيا في ذلك الحين، وقد عهد بذلك الامتحان إلى شاعره أبان اللاحقي فقام به.
وكان للمأمون مجلس للعلم يعقد في دار الخلافة أيام الثلاثاوات من كل شهر؛ فإذا أقبل الحكماء والفقهاء مدت الموائد وقيل لهم: (أصيبوا من الطعام والشراب ثم جددوا الوضوء. ومن كان خفه ضيقاً فلينزعه، ومن كانت قلنسوته ثقيلة فليضعها. فإذا فرغوا أتوا بالمجامر فتبخروا، ثم خرجوا فدخلوا على المأمون فيدنيهم منهم خير إدناء، ويناظرهم أحسن مناظرة، حتى تزول الشمس فتصب الموائد ثانية فيطعمون وينصرفون.
وكان للصاحب بن عباد مجلس للشعر لا يغشاه إلا من حفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب، ومع ذلك الشرط القاسي كان يجتمع على سماطه كل يوم ألف من رجالات الأدب والعلم والكلام. وبنى داراً فاجتمع له من قصائد التهنئة عليها ديوان شعر ضخم.
ونفق برذون لأديب من أدباء مجلسه فرثاه شعراء الحضرة بخمسين قصيدة. وقد ذكرت بذلك (مكسويني) حصان الدكتور محجوب ثابت، فإنه حين نفق من الهزال لم يظفر من شعراء مصر على كثرة ما ركبوه بالمزاح والهزل إلا بقصيدة واحدة لشوقي.
وكان للمعتضد عباد دار خاصة للشعراء ينزلونها على الرحب والسعة؛ فإذا جاء يوم الشعر وهو يوم الاثنين من كل أسبوع دخلوا عليه فلا يقابل غيرهم ولا يسمع إلا شعرهم. ولقد بلغ من عنايته بهم ورعايته لأدبهم أن جعل لهم رئيساً يرجعون إليه، ونظاماً يرتبون عليه، وسجلاً يحصون فيه.
ولو ذهبت أستقصي مجالس الأدب والعلم في عواصم العراق والشام ومصر والأندلس لاسترخى في يدي عنان القلم، وتشتت في ذهني سياق الموضوع.
تواردت على خاطري هذه المآثر العربية التاريخية وأنا أنعم لأول مرة بالحديث إلى صاحب المعالي إبراهيم دسوقي أباظة باشا وزير المواصلات؛ وكنت قبل هذا اللقاء قد عرفته بالسماع، والسماع بسري خلقه وسمو أدبه مستفيض، فلم يجرد ذكره على لسان أديب إلا روى عن مجالسه، ونوه بمواهبه، وحدث عن أياديه. وكنت أعلم أنه استن لنفسه سنة وزراء بني بويه، فاتخذ له بطانة من صفوة الشعراء الشباب يأنس إليهم في داره، ويشبل عليهم بجاهه، ويستعين بهم في عمله، ويجزل لهم من فضله. وهم يعلمون أن الأدب وحده هو الذي أحظاهم عنده، فلا يفتئون يتنافسون في تحصيله ويتفاضلون في تجويده. فلولا أن لهذا الوزير الشاعر طبعاً أصيلاً في الأدب استفادة من مناشئ فطرته وتقاليد أسرته، لما انبثق في حيلته العاملة ذلك النور السماوي الذي استحال أدباً في نفسه يتخلقه ويعمل به، وأدباً على لسانه يقول ويفتن فيه، وأدباً على سمعه يعيه ويشجع عليه
وللقطب إبراهيم الدسوقي باشا نظراء في الوزراء لم يجد الدهر بأمثالهم على دولة من دول العرب في وقت واحد منذ دالت الهاشمية في العراق، والأموية في الأندلس؛ نذكر منهم الباشوات أصحاب المعالي: لطفي السيد، ومحمد حسين هيكل، ومصطفى عبد الرزاق، ونجيب الهلالي، ومكرم عبيد، وطه السباعي، وحفني محمود. ولكل وزير من هؤلاء الوزراء والأدباء طفاوة من ناشئة الأدب ومنشئيه، تتسع أو تضيق على حسب ما يبذل لها من نفسه، ويفيض عليها من نشاطه. وهم عسيون إذا هم استجابوا لملكة الأدب فيهم، وواجب العربية والعروبة عليهم، أن ينفخوا من رُوحهم ورَوْحهم في جذوة هذه النهضة الأدبية حتى تستمر وتنتشر فتصهر بقوتها الجامد، وتنعش بحرارتها الخامد، وتنير بأشعتها الطريق.

* نشر المقال في مجلة الرسالة | عدد 620، بتاريخ 21/05/1945


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق