جديد المقتطف

Post Top Ad

الخميس، 16 مارس 2017

سيرة ملكة العراق التي لم تتوج

بقلم: أمل راشد العتيبي *

هي باحثة وعالمة اّثار بريطانية، جابت البلاد العربية حتى انتهى بها المطاف، وطاب لها البقاء في العراق.. في عام 1916م تولت منصب سياسي نسائي وحيد فأصبحت مسئولة في القوات البريطانية، وظلت في هذا المنصب حتى مارس 1917م، حتى استدعاها المندوب السامي البريطاني في العراق وقلدها منصب سكرتيرة الحاكم لشئون الشرق.

ومن المميزات التي أنفردت بها هذه السيدة العظيمة، قدرتها على تحليل الأحداث السياسية وتوقع أبعادها. وبالفعل قدمت دراسة تحليلة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في عام 1919م، حللت فيها الوضع الراهن في العراق، وقدمت فيها النتائج المستقبلية المناسبة، فأعدت بذلك تقريرا مرجعيا رسميا للبريطانين.
وقد اختارها وينستون تشرتشل للمشاركة في مؤتمر القاهرة عام 1921م المنعقد حول مستقبل العراق، وكانت المرأة الوحيدة بين 39 رجلا. وأصرت في هذا المؤتمر على تنصيب الأمير فيصل ابن الشريف ملكا على العراق، وبالفعل قرروا تعيين فيصل ملكا للعراق في أغسطس عام 1921م. كما كانت لها الكلمة الفصل في تعيين الموظفين والرؤساء والوزراء، فتسارع الكثيرين لكسب ودها خشية النقل والنفي.
وعلى صعيد العمل الثقافي، عملت جاهدة على التنقيب عن الاّثار القديمة في العراق، وأشرفت على الاكتشافات وجمعت الصناعات اليدوية. وبين عامي (1923 – 1926) عملت على إنشاء متحف للاّثار في بغداد داخل أسوار القصر الملكي، ويعود سبب إنشاء هذا المتحف رأيها المخالف للرأي الأوروبي السائد حول موضوع الاّثار، فكانت ترى أنه يجب على كل دولة الاحتفاظ بآثارها وعدم نقلها للدول الأخرى.
وحرصت أيضا على ترجمة بعض الكتابات المهمة، وهو أمر مهم لإثراء المكتبات والمتاحف العلمية، وقد ساعدها على ذلك إجادتها للغة الفارسية، فترجمت ديوان الشاعر الفارسي (حافظ الشيرازي) واعتبرها النقاد من أفضل من ترجم الشعر الفارسي إلى الإنجليزية.
أحبت هذه السيدة العراق وأفنت حياتها وجهدها لخدمة هذا البلد، حتى أنه عثر على رسالة لها قد أرسلتها إلى والدها، تذكر فيها أنها لا تهتم بالرجوع إلى لندن، فحبها لبغداد أسمى. وعبرت عن ذلك بقولها (إنها الشرق الحقيقي، تغمرني على الدوام وتحتويني برومنسيتها).
ولأن دوام الحال من المحال عانت في أواخر حياتها من اعتلالات صحية ومشاكل أسرية، تمثلت في وفاة أخيها في انجلترا، وتدهور حال عائلتها ماديا، فأقدمت على الانتحار بتناولها جرعة زائدة من دواء منوم في عام 1926م، ودفنت في المقبرة البريطانية في بغداد.
لم تتزوج قط ولم تنجب أطفالا، لكنها خلفت أرشيفا ضخما من الرسائل والصور الفوتوغرافية التي كانت تلتقطها في رحلاتها، وبلغ عددها 7000 صورة، أودعت في مكتبة جامعة نيوكاسل، وقد قامت زوجة أبيها بعد وفاتها بسنة، بنشر رسائلها ومذكراتها في مجلدين ضخمين، فلاقت رواجا منقطع النظير من القراء في بريطانيا.
أنها السيدة العظيمة والملكة غير المتوجة على العراق الباحثة "غيرترود بيل".

* باحثة من المملكة العربية السعودية..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق