جديد المقتطف

Post Top Ad

السبت، 3 يونيو 2017

المرأة في المجتمع الأندلسي وكتاب للدكتورة راوية شافع

عرض ودراسة/ أبوالحسن الجمّال

عنى الإسلام بقضية المرأة وأعلى من شأنها وجعلها صنو للرجل في الحقوق والواجبات، وكان للمرأة دور مشرف في تاريخ الإسلام؛ إذ شاركت في كل المجالات..
وسوف نستعرض في السطور التالية كتاباً بعنوان "المرأة في المجمتع الأندلسي من الفتح الإسلامي للأندلس حتى سقوط قرطبة" الذي صدر عن دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية سنة 2006، للدكتورة راوية عبدالحميد شافع، أستاذة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في كلية الآداب بجامعة حلوان، وأحد الأغصان الوارفة لمدرسة جامعة الإسكندرية التاريخية الأندلسية. إذ تخرجت من كلية الآداب جامعة الإسكندرية سنة 1988، وحصلت على درجة الماجستير سنة 1995، وعلى الدكتوراه سنة 2000، وعينت مدرساً مساعداً بقسم التاريخ جامعة حلوان سنة 1997، ثم مدرساً سنة 2000، ثم أستاذاً مساعداً منذ سنة 2012. وقد أثرت المكتبة العربية بالعديد من الكتب منها: "نصوص تاريخية (مشرقية ومغربية) في التاريخ الإسلامي، دراسة وتحليل"، باللغتين العربية والإنجليزية، الناشر، مؤسسة الجامعيين 2004م، وهذا الكتاب الذي سنستعرضه الآن، إضافة إلى العديد من الأبحاث التي نشرتها في الدوريات أو شاركت بها في المؤتمرات العلمية ومنها: "السلطان محمود الغزنوي، والجهاد الإسلامي في الهند (388 – 421هـ) – ( 998 –  1030م)" نشر إصدارات مجلة كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، المجلد التاسع والأربعون، العام الجامعي 1999 – 2000م، و"دور الحكمة وخزائن الكتب ودورهما في نشر العلم والثقافة في العالم الإسلامي" منشورات اتحاد المؤرخين العرب، بالقاهرة، 1422هـ / 2001م0 ونوقش البحث في ندوة عقدها الإتحاد بعنوان "المراكز الثقافية والعلمية، فى العالم العربى عبر العصور"، و‘‘الحرة مريم سفيرة بنى مرين إلى مصر  (738 – 1338م ) نوقش ونشر ضمن أبحاث مؤتمر "العلاقات المصرية المغربية عبر التاريخ"، فى الفترة من 16 : 18 / 2 / 2002م0 في رحاب جامعة جامعة حلوان، بالتعاون مع جامعة الحسن الثاني، كلية الآداب، المملكة المغربية، والتأثيرات الإجتماعية المتبادلة بين المسلمين والأسبان في الأندلس" منشورات اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة، مجلة المؤرخ العربى العدد الحادى عشر، المجلد الأول، مارس2003م، وغيرها...
وهذا الكتاب في الأصل رسالة ماجستير فى الآداب، حصلت عليه الباحثة من قسم التاريخ والآثار المصرية والإسلامية، كلية الآداب، جامعة الأسكندرية، 1995م بتقدير ممتاز، فى موضوع بعنوان: "دور المرأة في المجتمع الأندلسي من الفتح الإسلامي للأندلس حتى نهاية الدولة الأموية0 (92- 422هـ) – (711 – 1031م)"، بإشراف الأستاذ الدكتور أحمد مختار العبادي، ولم تتوقف الدكتورة راوية عند هذا الحد فأرادت أن تستكمل الموضوع لنهايته وأعدت رسالتها للدكتوراه عن المرأة في باقي عصور الأندلس في رسالة بعنوان "المرأة في الغرب الإسلامي، منذ قيام دولة المرابطين... حتى سقوط مملكة غرناطة (426 – 897هـ) – (1070 – 1429م)" سنة 2000، وأشرف عليها أيضاً الدكتور أحمد مختار العبادي، بالاشتراك مع الدكتورة سحر السيد عبدالعزيز سالم.
وقد قسمت المؤلفة كتابها إلى أربعة فصول، مهدت له بدراسة تمهيدية حاولت فيها إبراز دور المرأة في المجتمع الإسلامي بصفة عامة مع التركيز على بعض النماذج المشرفة، وإبراز حقوق المرأة التي كفلها الإسلام، بل وواجباتها في المجتمع ألإسلامي أيضاً.. وقامت أيضاً بدراسة تمهيدية لتاريخ الأندلس من خلال عرض سريع مع ربط الأحداث التاريخية بمدى تواجد المرأة على مسرح الأحداث في الأندلس منذ بداية الفتح الإسلامي.
أما في الفصل الأول وعنوانه "دور المرأة الاجتماعي في الأندلس" فيشتمل على ست نقاط أساسية: النقطة الأولى تحت عنوان "الفاتحون المسلمون للأندلس والزواج المختلط بالأسبانيات من الفتح الإسلامي حتى سقوط الخلافة الأموية" وقد حاولت التركيز من خلالها على إبراز دور الفاتحين في عملية دخولهم الأندلس وهل دخلوا أفراداً كجنود عسكريين فقط، أم دخلوا في صحبة عائلاتهم وأسرهم؟ كذلك أبرزت فيها عمليات الزيجات التي تمت بينهم وبين الأسبانيات. أما النقطة الثانية فهي تتحدث عن التسري بالإماء والجواري عن طريق السبي مع الإشارة إلى مدى حب أمراء بني أمية للجواري الإسبانيات وخاصة الشقراوات منهن. والنقطة الثالثة والتي جاءت نتيجة للنقطتين السابقتين، وهي ظهور طبقة اجتماعية جديدة مسلمة وهي طبقة "المولدين"، كنتاج للزواج المختلط والتسري بالإماء والجواري، وأوضحت من خلال تلك النقطة مدى تأثير وتأثر هذا العنصر السكاني الجديد في الحياة الأندلسية. ثم انتقلت المؤلفة إلى النقطة الرابعة عن فن الغناء والموسيقى، وأوضحت أثر النساء المولدات والمشرقيات في التجديد في هذا الفن.
أما في الفصل الثاني وعنوانه "دور المرأة في المجال السياسي في الأندلس" فيتكون من أربعة نقاط أساسية: أولاً مدي تأثير أمهات الأولاد على الولاة والخلفاء في عصر الدولة الأموية. مما أدى إلى مشاركة المرأة في الأحداث السياسية، وإن كان معظمها كان يحدث من وراء الكواليس بالتأثير على أزواجهن وأولادهن، فتحدثت المؤلفة عن "إيلة" أو "إيخلونا" زوجة الأمير عبدالعزيز بن موسى، وكيف اتهمت بأنها أحد الأسباب التي أدت لمقتل الأمير بتسلطها عليه وبسماعه لنصائحها وتنفيذها، ثم تحدثت عن "سارة القوطية"، وكيف كانت العنصر النسائي الأول في ظهور طبقة "المولدين"، ثم تحدثت عن "عجب" ومكانتها لدى الأمير الحكم الربضي، وختمت المؤلفة هذه النقطة بالحدث عن "طروب البشكنسية" ودوورها البارز في محاولة وضع ابنها عنوة على كرسي الإمارة في الأندلس. والنقطة الثانية عن "ذر" أو "ونقة" جدة الخليفة عبدالرحمن الناصر. والنقطة الثالثة تحدثت فيها عن "صبح البشكنسية" ودورها البارز والمهم في حياة زوجها الحكم المستنصر، ثم الحاجب المنصور بن أبي عامر. ثم ختمت الفصل بالنقطة الرابعة عن أمهات ولد المنصور بن أبي عامر، وأبرزت من خلالها عمليات المصاهرة التي تمت بين المنصور وملوك أسبانيا المسيحيين، وكيف أهدوه بناتهم على سبيل المهادنة وكسب الود.
أما الفصل الثالث وعنوانه "دور المرأة في المجال العلمي في الأندلس" فجاء طرحه في ثلاث نقاط رئيسية، الأولى: تحدث فيها المؤلفة في الأدب الأندلسي مع ذكر أمثلة لشاعرات الأندلس المشهورات مرتبة ترتيباً تاريخياً من بداية الفتح حتى نهاية الدولة الأموية، في محاولة لإبراز دور كل منهن، ومدى ما أسهمت به في مجال الحياة العلمية والأدبية في الأندلس. ثم جاءت النقطة الثانية تحت عنوان الكاتبات والمعلمات والخطاطات والمذهبات، وأوضحت من خلالها الأنشطة العلمية التي ساهمت فيها المرأة من خلال كتابتها للمخطوطات والكتب الثمينة والتعليم وتذهيب المصاحف وتزيينها، ثم ختمت هذا الفصل بالحديث عن شعر الحب والغزل عند المرأة وما قيل فيها وما قالته، وأبرزت كيف كانت المرأة صريحة في إبراز مشاعرها بدون تورية أو مداراة.
أما الفصل الرابع وجاء تحت عنوان "دور المرأة في المجال الاقتصادي في الأندلس" فقد جاء في أربعة نقاط أساسية:
أولاً: المهن والصناعات التي مارستها المرأة الأندلسية، وضربت أمثلة على ذلك منها صناعات الأطعمة والأشربة والغزل والفقه والتولد والخاطبة وغيرها. ثم انتقلت في النقطة الثانية عن أسواق الجواري وأنواعهن، وذكرت أن الإسلام لم يعمل على إيجاد ظاهرة النخاسة والعبيد والرق، بل كانت موجودة بالفعل، بل ومستشرية قبل ظهور الإسلام، وعلى العكس عمل الإسلام علي القضاء عليها وهذا ماحدث بالفعل تدريجياً. ثم تحدثت في النقطة الثالثة عن حالة الجواري الاقتصادية، وكيف كانت الجواري يملكن من الثروات الطائلة، ما مكنهن من إقامة بعض المنشآت الدينية والدنيوية الخاصة بهن. وفي النقطة الرابعة والأخيرة من هذا الفصل ، تحدثت الدكتورة راوية عن مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي بصفة عامة، وكيف وصل الحد في محافظة المجتمع على نسائه إلى درجة استنفار الحملات الحربية للدفاع عن امرأة أسيرة مسلمة وقعت في يد الأعداء.
وقد توصلت الدكتورة راوية شافع من خلال كتابها هذا إلي أهم النتائج العلمية من خلال هذه الدراسة، ومنها:
1- ناقشت الآراء المتضاربة حول دخول الفاتحين من العرب والبربر الأندلس، وهل دخلوا أفراداً من الجنود المحاربين فقط، أم دخلوا على هيئة جماعات؟ صحبوا فيها نسائهم، وبعد أن عرضت لجميع الآراء توصلت إلى أن الفاتحين، من العرب والبربر، دخلوا الأندلس أفراداً وجماعات في آن واحد، ويؤكد هذا تواجد المرأة على مسرح الأحداث منذ بداية الفتح الإسلامي وأن هناك زيجات مختلطة حدثت بين الفاتحين الجدد، وبين الأسبانيات من أهل البلاد.
2-  استعرضت آراء المستشرقين حول حرية المرأة الأندلسية وبينت أن الباحثين قد انقسموا حيال هذا بين مؤيد ومعارض، فالمؤيد يشيد بتأثير الغرب الأسباني على المرأة الأندلسية، والمعارض يركز على مظاهر التزمت، ويرجعها إلى الإسلام، وإلى تصرفات المسلمين مع نسائهم، وقد أوضحت أن الأندلسيين لم يعملوا على سجن نسائهم وعزلهن عن الحياة العامة، وإنما عملوا على المحافظة عليهن، وعدم ظهورهن بشكل غير لائق قد يسىء إليهن وإلى الإسلام، والدليل على ذلك أن المرأة لم تتعرض لأي نوع من الضغط أو العزلة، وقد حفلت الدراسة ببعض النماذج المشرفة التي أدت دوراً حضارياً رئيسياً.
3- أوضحت المؤلفة أن أسبانيا الإسلامية عرفت ظاهرة التسري بالإماء والجواري مثل باقي الأقطار الإسلامية، وإن كان وضع المرأة الجارية، اختلف اختلافاً كبيراً عن أي مجتمع آخر غير إسلامي سابق، فقد حظيت هذه الجواري بمكانة رفيعة لم تعرفها المرأة الجارية في أي مجتمع آخر غير إسلامي سابق أو لاحق، وأثبتت أيضاً أن الحياة الاجتماعية والعاطفية بل والعلمية للجواري كانت أكثر نشاطاً وتفوقاً عن حياة غيرها وبخاصة الحرائر وذلك لما تمتعن به نسبياً من حرية أكثر من الحرائر.
4-  قارنت المؤلفة بين آراء بعض المستشرقين الذين اعتبروا البيت الأموي بيتاً مولداً من الدرجة الأولى وبين شعور وتصرفات بني أمية الذين اعتبروا أنفسهم عرباً أقحاحاً، رغم كون أمهاتهم أسبانيات، بل ذهب بعضهم إلى دفع أموالاً كثيرة لمجرد إدعاء النسب العربي. ومن نتائج ظهور طبقة المولدين أيضاً ظهور ما عرف في التاريخ والأدب الأندلسي "بحركة الشعوبية" وهي حركة ظهرت في المشرق الإسلامي من قبل، وانتقلت إلى الأندلس، وهدفها مهاجمة الجنس العربي والسيادة العربية كعنصر حاكم، وليس مهاجمة الإسلام كدين.
5- أوضحت المؤلفة أن المرأة الأندلسية لعبت دوراً كبيراً في مجال السياسة مثل دور صبح البشكنسية، وطروب، وكذلك أثبتت جدارتها في مجال الإبداع العلمي والأدبي، فقد بلغت كثيرات منهن مكانة وشهرة واسعة زاحمن فيها الرجال، ونلن في ظل هذه الحضارة مكانة سامية، مستشهدة برأى الفقيه الأندلسي ابن حزم في كتابه الشهير "طوق الحمامة" عندما ذكر بأنه لم يجالس الرجال إلا وهو في حد الشباب، وأنه تلقى كل علومه على أيدي النساء، وكيف بهذه الشهادة قد حسم القضية لصالح المرأة الأندلسية.
6-  ثم ختمت تلك الدراسة بنتيجة هامة : وهي أن المرأة الأندلسية لم تكن بالتدني الكبير الذي تصوره لنا كتابات بعض المستشرقين، وأيضاً لم يكن فيه حرية زائدة خارجة عن التقاليد والعادات الإسلامية، وإذا كان المجتمع قد سمح للمرأة الأندلسية بشيء من حرية الاختلاط، فقد كان اختلاطاً منظماً مقنناً، يصونها ويحافظ عليها في المقام الأول، ولعل علو مكانة المرأة الأندلسية يتجلى بوضوح في تلك الأمثال الشعبية الرائعة التي تقوم على استنفار الحملات العسكرية الضخمة لإطلاق سراح امراة أسيرة استصرخت الحاكم فهب من فروه لنجدتها ودرها إلى أرضها وأهلها..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق